الفعاليات الكبرى بوابة جديدة لتنشيط السياحة المصرية وجذب الاستثمارات

تحولت الفعاليات الكبرى في مصر من مجرد حفلات ترفيهية ومؤتمرات عابرة إلى أحد المكونات الرئيسية للمنتج السياحي، في ظل دورها في الترويج للمواقع الأثرية، وتنشيط المدن الجديدة، ورفع معدلات إشغال الفنادق، وزيادة حركة الطيران والمطاعم والنقل، إلى جانب جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل.
ويمثل تنظيم الحفلات العالمية أمام الأهرامات نموذجًا لتوظيف المعالم الأثرية في الترويج السياحي، إذ لا يقتصر تأثير الصور والمشاهد المصاحبة لهذه الفعاليات على الحضور، بل يمتد إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية حول العالم، بما يعزز حضور مصر على خريطة السياحة الدولية.
ورغم اتفاق خبراء السياحة على أهمية إقامة الفعاليات في المواقع الأثرية لتنشيط الحركة السياحية، فإن بعض التحفظات ترتبط بطبيعة هذه الفعاليات والمحتوى الموسيقي المقدم، ومدى توافقه مع القيمة التاريخية والحضارية للمكان.
ضوابط لاستضافة الفعاليات بالمواقع الأثرية
وفي هذا السياق، يرى سامح سعد، رئيس شركة الصوت والضوء سابقًا ومستشار وزير السياحة الأسبق، أن استغلال المواقع الأثرية يتطلب اختيار فعاليات تتناسب مع قيمتها التاريخية، مستشهدًا بمدينة فيرونا الإيطالية، التي ارتبط مسرحها الروماني بعروض الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية.
وطالب بوضع معايير واضحة تحقق التوازن بين الترويج السياحي وحماية التراث، بما يضمن أن تضيف الفعاليات إلى قيمة المكان ولا تطغى على هويته الحضارية.
وأوضح أن تنظيم حفلات الموسيقى الصاخبة، مثل الديسكو والتكنو، قد يجذب فئات لا تهتم بالضرورة بالقيمة التاريخية للموقع، فضلًا عن احتمال ارتباط بعض الفعاليات بممارسات وسلوكيات تثير اعتراضات المهتمين بالحفاظ على التراث.
وأكد أن الاستغلال الأمثل للمواقع الأثرية يتطلب ضوابط تضمن التوازن بين التسويق السياحي وصيانة التراث، مع اختيار العروض الموسيقية والفنية التي تتكامل مع طبيعة المكان وتبرز قيمته الحضارية.
السياحة الترفيهية وسياحة الحوافز
وأشار مستشار وزير السياحة الأسبق إلى وجود خلط بين مفهومي السياحة الترفيهية وسياحة الحوافز، موضحًا أن إقامة الحفلات في المواقع الأثرية لإتاحة الفرصة للزوار للاستمتاع بها تندرج ضمن السياحة الترفيهية، بينما تعتمد سياحة الحوافز على تنظيم الشركات الكبرى رحلات استثنائية لمكافأة الموظفين أو كبار الوكلاء عند تحقيق مستهدفات بيعية محددة.
وأضاف أن الهدف في سياحة الحوافز لا يقتصر على المكافأة المالية، بل يمتد إلى تقديم تجربة استثنائية يصعب تكرارها، مثل تنظيم زيارة خاصة للأهرامات ليلًا أو إتاحة جولة حصرية تظل راسخة في ذاكرة المشاركين.
وحول حجم هذا القطاع، أوضح سعد أنه يصعب تحديد رقم دقيق لسياحة الحوافز، لأن الزائر القادم ضمن هذه البرامج يُسجل عادة ضمن حركة السياحة العامة، فيما تظل الأرقام المتاحة في هذا المجال تقديرية.
وشدد على أن الوصول إلى إحصاءات دقيقة يتطلب إلزام شركات السياحة بتقديم تقارير تفصيلية للجهات المختصة، تتضمن أعداد المشاركين في برامج الحوافز، بما يسمح بإنشاء قاعدة بيانات رسمية لهذا النمط السياحي.
ولفت إلى أن مصر تمتلك مقومات متنوعة تؤهلها لاستقطاب هذه الفئة من السياح، تشمل السفاري الصحراوية، والتنزه الجبلي، والسياحة الشاطئية والبحرية، بما يتيح تصميم برامج سياحية تناسب مختلف الاهتمامات.
الفعاليات الكبرى ودعم الاقتصاد المصري
اقتصاديًا، لا تتوقف عوائد الفعاليات الكبرى عند مبيعات التذاكر أو رسوم المشاركة، بل تمتد إلى دورة إنفاق تشمل قطاعات متعددة، إذ ينفق المشاركون الدوليون على تذاكر الطيران والإقامة الفندقية والمطاعم والانتقالات والتسوق، بينما تتوزع نفقات الجهات المنظمة على شركات التجهيزات والإضاءة والصوت والنقل والأمن والضيافة والإنتاج الإعلامي.
وتسهم هذه الدورة في تنشيط قطاعات السياحة والطيران والنقل والمطاعم والتجزئة وخدمات تنظيم المؤتمرات، إلى جانب توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة وزيادة الطلب على الخدمات المحلية.
ووفق تقديرات المجلس العالمي للسفر والسياحة، بلغت مساهمة قطاع السفر والسياحة في الاقتصاد المصري نحو 34.4 مليار دولار خلال عام 2025، مع استقبال 19 مليون زائر دولي، فيما تجاوزت الإيرادات السياحية 18 مليار دولار وفق بيانات أُشير إليها في مايو 2026.
وتستفيد مصر من تنوع منتجها السياحي، الذي يجمع بين السياحة الثقافية والترفيهية والشاطئية والعائلية والعلاجية والدينية، إلى جانب الفعاليات والمهرجانات والمعارض التي يمكن تنظيمها على مدار العام، سواء في المواقع الأثرية أو المدن الساحلية والجديدة.
كما تمثل المقومات الطبيعية، من المناخ المعتدل والتنوع البيئي، إلى جانب الأمن والاستقرار، عوامل مهمة في دعم النشاط السياحي واستدامته.
وتبرز السياحة الرياضية والمهرجانات الشاطئية في وجهات مثل شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم والقاهرة، إلى جانب المنتجات التراثية المصرية التي تسهم في تنشيط سياحة التسوق.
وفيما يتعلق بالاستثمارات الفندقية، ارتفع عدد الفنادق تحت الإنشاء إلى 185 فندقًا تضم نحو 46 ألف غرفة خلال عام 2026، مقابل 143 فندقًا تضم 33.9 ألف غرفة خلال عام 2025، بما يعزز الطاقة الاستيعابية اللازمة لاستضافة وفود المؤتمرات والحفلات، خاصة في القاهرة والمدن الساحلية.
وأشار خبراء إلى أن البيانات الرسمية تركز على إجمالي الإيرادات السياحية، دون تقديم حساب منفصل ومنتظم للعائد من كل نمط سياحي، مثل سياحة الحفلات والمؤتمرات، وهو ما يجعل قياس الأثر الاقتصادي المباشر لكل فعالية أكثر صعوبة.
تحويل المؤتمرات والحفلات إلى برامج سياحية متكاملة
وتتمثل إحدى الخطوات المهمة في تحويل كل فعالية دولية إلى منتج سياحي متكامل، بحيث يصاحب المؤتمر برنامج لزيارة المتحف المصري الكبير والأهرامات والقاهرة التاريخية، مع إمكانية تنظيم رحلات إلى الأقصر وأسوان، فيما تتحول الحفلات العالمية إلى فرصة للترويج للمدينة المستضيفة ومعالمها السياحية، بدلًا من اقتصارها على ليلة فنية واحدة.
ويمكن كذلك ربط أجندة المؤتمرات والفعاليات بالمواسم الأقل طلبًا، بما يسهم في توزيع الحركة السياحية على مدار العام، والحد من الموسمية، وزيادة متوسط مدة إقامة السائح وحجم إنفاقه.
وبذلك تتكامل سياحة الترفيه والمؤتمرات والسياحة الثقافية في منتج واحد، يجذب الزائر من خلال حدث معين، ثم يتيح له اكتشاف وجهات وتجارب سياحية متنوعة داخل مصر.
مصر تعزز حضورها في سوق سياحة الرفاهية والحوافز
وفي إطار جهود الترويج للمنتجات السياحية الجديدة، أوضح الدكتور أحمد يوسف، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، أن الوزارة استضافت وفدًا يضم ممثلي 14 شركة من كبرى الشركات المتخصصة في سياحة الرفاهية والحوافز والمؤتمرات بالسوق الروسي، ضمن رحلة تعريفية إلى القاهرة والعلمين الجديدة، بالتعاون مع شركة رويال مانتا ترافل، الممثل الحصري لرابطة GlobalStar الدولية.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن استراتيجية الوزارة لتنويع المنتجات السياحية والترويج للوجهات الجديدة والواعدة، بما يعزز تنافسية المقصد المصري ويجذب شرائح جديدة من السائحين، خاصة ذوي الإنفاق المرتفع، مع تكثيف الجهود الترويجية في السوق الروسي، الذي يعد من الأسواق المهمة المصدرة للسياحة إلى مصر.
وشارك الوفد في ورشة عمل استهدفت تعزيز التواصل المباشر بين ممثلي القطاع السياحي المصري ونظرائهم الروس، وبحث فرص التعاون وتطوير برامج سياحية جديدة تستهدف شرائح سياحة الرفاهية والحوافز والمؤتمرات.
وتضمنت الورشة عروضًا تقديمية ومناقشات حول اتجاهات الطلب في السوق الروسي وفرص التعاون في هذه المجالات، كما استعرض ممثلو المنشآت الفندقية المصرية الإمكانات والتجهيزات المتاحة لاستضافة المؤتمرات والفعاليات وبرامج الحوافز.
وسلطت المناقشات الضوء على تنوع المقومات السياحية المصرية، التي تتيح دمج أكثر من منتج وتجربة سياحية ضمن البرنامج الواحد، بما يعزز فرص جذب شرائح جديدة من الزوار، ويرفع معدلات الإنفاق السياحي، ويدعم نمو القطاع وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني.



