تقارير وتحليلات

المكملات الغذائية في مصر.. سوق بمليارات الجنيهات بين النمو السريع ومخاطر الغش التجاري

 

يشهد سوق المكملات الغذائية في مصر توسعًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بزيادة الوعي الصحي والإقبال المتزايد على المنتجات الداعمة للصحة واللياقة البدنية، وهو ما انعكس على حجم المبيعات والأرباح التي تحققها الشركات العاملة في القطاع. إلا أن هذا النمو الكبير صاحبه ظهور تحديات تتعلق بانتشار بعض المنتجات مجهولة المصدر ومحاولات الغش والتقليد التي تستهدف تحقيق أرباح سريعة خارج الأطر القانونية والرقابية.

وسلطت واقعة ضبط مخزن غير مرخص للمكملات الغذائية بمدينة نصر، يحتوي على كميات كبيرة من الأقراص الدوائية والمكملات مجهولة المصدر، الضوء على حجم التحديات التي تواجه السوق، خاصة مع تزايد الطلب على هذه المنتجات وتنوع قنوات تداولها بين الصيدليات والمتاجر والمنصات الإلكترونية.

وأكد الدكتور محمد أشرف، خبير الصناعات الدوائية، أن صناعة المكملات الغذائية في مصر تخضع لمنظومة رقابية متكاملة تبدأ من ترخيص المصانع ومتابعة استيراد الخامات المستخدمة في التصنيع، وصولًا إلى فحص وتحليل المنتج النهائي والتأكد من مطابقته للمواصفات القياسية قبل طرحه في الأسواق.

وأوضح أن الهيئة القومية لسلامة الغذاء هي الجهة المسؤولة عن وضع معايير التفتيش والتسجيل ومنح التراخيص الخاصة بالمكملات الغذائية، مشيرًا إلى أن القواعد المعمول بها في مصر تعتمد على أحدث المرجعيات والمعايير الدولية المعتمدة عالميًا، ومنها معايير هيئة سلامة الغذاء الأوروبية وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية.

وأضاف أن المكملات الغذائية تعد من الصناعات الواعدة التي تمتلك فرصًا كبيرة للنمو والتوسع وزيادة الصادرات المصرية، خاصة أنها لا تواجه التعقيدات المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع الموجودة في صناعة الدواء التقليدية.

وأشار إلى أن المكملات الغذائية لا تخضع لنظام التسعير الجبري، ما يمنح الشركات حرية تحديد أسعار منتجاتها وفقًا لتكاليف الإنتاج والخامات وظروف السوق، وهو نظام مطبق في معظم دول العالم. كما أن ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف الشحن والطاقة وسعر صرف العملات الأجنبية ينعكس بشكل مباشر على أسعار المنتجات داخل الأسواق المحلية.

وحذر من التعامل مع المكملات الغذائية باعتبارها منتجات آمنة بشكل مطلق، مؤكدًا أن استخدامها يجب أن يتم وفقًا لاحتياجات كل شخص وتحت إشراف طبي متخصص، نظرًا لارتباطها المباشر بصحة الإنسان وتأثيرها على التوازن الغذائي للجسم.

وأوضح أن تكرار وقائع ضبط منتجات مغشوشة أو مجهولة المصدر لا يعكس ضعف الصناعة، وإنما يعكس حجم السوق الكبير والإقبال المتزايد على هذه المنتجات، حيث تسعى بعض الجهات غير الشرعية لاستغلال هذا الطلب وتحقيق مكاسب مالية من خلال تقليد المنتجات أو تصنيعها بعيدًا عن الاشتراطات الفنية والرقابية.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكامل الأدوار بين الجهات الرقابية المختلفة، وفي مقدمتها الهيئة القومية لسلامة الغذاء وهيئة الدواء المصرية والأجهزة الرقابية والأمنية المختصة، مع ضرورة تكثيف حملات التفتيش على أماكن التصنيع والتخزين ومنافذ البيع.

كما دعا إلى التوسع في تطبيق نظام التتبع الإلكتروني على المكملات الغذائية، بحيث يمكن متابعة المنتج منذ مرحلة التصنيع وحتى وصوله إلى المستهلك النهائي، وهو ما يسهم في كشف أي عبوات غير مطابقة أو مجهولة المصدر، ويحد من فرص التلاعب والغش داخل السوق.

من جانبه، أكد الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، أن نظام التسعير الحر للمكملات الغذائية يحقق مكاسب جيدة للشركات المنتجة، خاصة مع وجود عدد كبير من الشركات التي تنتج مستحضرات متشابهة تحت أسماء تجارية مختلفة، ما يخلق منافسة واسعة داخل السوق.

وأشار إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى القنوات الرئيسية التي تستغلها بعض الجهات لتسويق منتجات مغشوشة أو غير معتمدة، وهو ما يتطلب تشديد الرقابة على الإعلانات الإلكترونية ومنافذ البيع المختلفة لضمان وصول منتجات آمنة للمستهلكين.

وأكد أن مصر تعد من أقل الدول من حيث انتشار المستحضرات المغشوشة مقارنة ببعض الأسواق الأخرى، وذلك نتيجة استمرار الحملات الرقابية والتفتيشية على المصانع ومنافذ التوزيع، إلا أن استمرار الطلب المرتفع على المكملات الغذائية يتطلب مزيدًا من اليقظة والرقابة.

بدوره، أوضح الدكتور محمود فتوح، عضو مجلس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن سوق المكملات الغذائية شهد توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، مع زيادة عدد المصانع المرخصة، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى استمرار وجود بعض المصانع غير المرخصة أو ما يعرف بـ«مصانع بير السلم» التي تعمل خارج المنظومة الرسمية.

وأضاف أن إنشاء مصنع مكملات غذائية مرخص يحتاج إلى استثمارات كبيرة وتجهيزات متطورة قد تصل تكلفتها إلى نحو 20 مليون جنيه، وهو ما يدفع بعض الأفراد إلى اللجوء للتصنيع غير القانوني داخل أماكن غير مجهزة باستخدام معدات بسيطة ومنخفضة التكلفة.

وأوضح أن بعض أنواع المكملات الغذائية مثل الحديد والكالسيوم وأوميجا 3 لا تحتاج إلى تكنولوجيا تصنيع معقدة، ما يجعل تقليدها أو إنتاجها بصورة غير قانونية أمرًا أكثر سهولة، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الرقابة والتحاليل المعملية ومعايير الجودة داخل تلك المنشآت.

وأشار إلى أن المنتجات الخارجة من المصانع المخالفة لا تخضع للفحص والتحليل للتأكد من جودة الخامات أو دقة نسب المواد الفعالة، ما قد يشكل خطرًا على صحة المستهلكين ويؤثر على ثقة المواطنين في المنتجات المتداولة بالسوق.

وأكد أن بعض المخالفين يلجأون إلى استخدام بيانات أو تسجيلات تخص مصانع مرخصة، بينما تتم عمليات التصنيع الفعلية داخل منشآت غير مطابقة للاشتراطات، بهدف تقليل التكاليف وزيادة هامش الأرباح، وهو ما يتطلب مزيدًا من الرقابة والتفتيش المستمر.

وشدد على أن المصانع المرخصة العاملة في القطاع لا تميل إلى الغش أو المخاطرة بسمعتها، خاصة في ظل الاستثمارات الضخمة التي ضختها في خطوط الإنتاج وأنظمة الجودة، مؤكدًا أن أغلب المخالفات ترتبط بجهات تعمل خارج المنظومة الرسمية.

واختتم الخبراء بالتأكيد على أن مستقبل سوق المكملات الغذائية في مصر يعتمد على تحقيق التوازن بين دعم الصناعة وتشجيع الاستثمار من جهة، وتعزيز الرقابة والتفتيش وحماية المستهلك من جهة أخرى، بما يضمن استمرار نمو القطاع بصورة آمنة ومنظمة، ويحد من انتشار المنتجات المجهولة أو المغشوشة داخل الأسواق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى