منوعات

الصيام يعزز ضبط النفس العصبي ويقوّي التحكم في الانفعالات

الصيام وتحسين ضبط النفس العصبي، لا يقتصر الصيام على كونه عبادة روحية أو نظامًا غذائيًا مؤقتًا، بل يمتد أثره إلى عمق الجهاز العصبي وطريقة استجابتنا للضغوط والانفعالات.

فحين يمتنع الإنسان عن الطعام والشراب لساعات محددة، كما في صيام شهر رمضان، فإنه لا يختبر الجوع والعطش فقط، بل يخوض تمرينًا يوميًا عالي المستوى على ضبط النفس العصبي والتحكم في ردود الفعل.

 

 

ما المقصود بضبط النفس العصبي؟

 

أوضح الدكتور أحمد فهمي استشاري الطب النفسي، أن ضبط النفس العصبي هو قدرة الدماغ على تنظيم الانفعالات، وتأجيل الإشباع، وكبح السلوكيات الاندفاعية.

 

هذه القدرة ترتبط بشكل أساسي بالقشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار، والتفكير المنطقي، وتقييم العواقب.

عندما تكون هذه المنطقة نشطة ومتوازنة، يصبح الفرد أكثر هدوءًا وقدرة على التعامل مع المواقف الضاغطة دون انفجار أو توتر مفرط.

 

 

 

الصيام كتمرين يومي على تأجيل الإشباع

في الحياة اليومية، اعتدنا على الاستجابة الفورية لاحتياجاتنا: نشعر بالجوع فنأكل، نشعر بالعطش فنشرب، نشعر بالضيق فنبحث عن وسيلة سريعة للراحة. لكن الصيام يعطل هذه الآلية التلقائية، ويضع بين الإحساس والاستجابة مساحة زمنية مقصودة.

 

 

 

هذه المساحة الزمنية هي المفتاح. فهي تدرب الدماغ على:

 

احتمال الشعور غير المريح دون رد فعل فوري.

التفريق بين الحاجة الحقيقية والرغبة اللحظية.

 

تحمل الانزعاج دون انهيار عصبي.

 

ومع التكرار اليومي، يتحول هذا التدريب إلى نمط عصبي أكثر ثباتًا، فيصبح الشخص أكثر قدرة على ضبط انفعالاته حتى خارج أوقات الصيام.

 

 

 

تأثير الصيام على هرمونات التوتر

أضاف الدكتور أحمد، أن أحد الجوانب المهمة في ضبط النفس العصبي هو التوازن الهرموني، خصوصًا ما يتعلق بهرمون الكورتيزول المسؤول عن استجابة الجسم للتوتر.

في الأيام الأولى من الصيام قد يشعر البعض بارتفاع التوتر بسبب تغير نمط الأكل والكافيين،

لكن مع استقرار الإيقاع اليومي، يبدأ الجسم في التكيف.

عندما يتم الصيام بشكل صحي – مع نوم كافٍ، وسحور متوازن، وترطيب جيد – يتحسن انتظام الساعة البيولوجية، ما ينعكس على استقرار المزاج وتقليل التذبذب العصبي.

كما أن تقليل السكريات السريعة يقلل من تقلبات سكر الدم، وهي من أهم أسباب العصبية المفاجئة والانفعال الحاد.

 

 

 

الصيام وكبح الاندفاع الانفعالي

كثير من نوبات الغضب أو التوتر لا تكون بسبب الموقف نفسه، بل بسبب ضعف القدرة على كبح الاستجابة الأولى. الصيام يخلق وعيًا مستمرًا بالسلوك: “أنا صائم، يجب أن أضبط نفسي”. هذا الاستحضار الذهني يعزز ما يسمى بالمراقبة الذاتية.

 

ومع تكرار هذا النمط يوميًا، يصبح كبح الغضب أو الرد القاسي عادة ذهنية، وليس مجرد مجهود مؤقت. فيتحسن ما يمكن تسميته “التحمل العصبي”، أيالقدرة على المرور بالمثير دون استجابة مفرطة.

الصيام وتعزيز المرونة النفسية

 

المرونة النفسية هي القدرة على التكيف مع التغيرات دون انهيار أو مقاومة مفرطة. الصيام بطبيعته يغير الروتين: مواعيد الطعام، النوم، العمل، النشاط البدني. هذا التغيير يضع الدماغ في حالة إعادة تنظيم مستمرة، مما يعزز قدرته على التكيف.

 

الشخص الذي ينجح في إدارة يوم صيام متوازن رغم ضغوط العمل والأسرة، يكتسب ثقة ضمنية في قدرته على إدارة ضغوط أخرى. وهنا يتحول الصيام إلى رسالة داخلية: “أستطيع أن أتحمل… أستطيع أن أؤجل… أستطيع أن أسيطر”.

 

 

 

العلاقة بين الصيام والتنظيم العاطفي

التنظيم العاطفي لا يعني كبت المشاعر، بل إدارتها بوعي.

في الصيام، تزداد لحظات التأمل والهدوء، خصوصًا مع العبادات وقراءة القرآن والابتعاد النسبي عن الملهيات.

هذا المناخ الروحي يهدئ الجهاز العصبي السمبثاوي (المسؤول عن القتال أو الهروب)، ويعزز نشاط الجهاز العصبي الباراسمبثاوي (المسؤول عن الاسترخاء).

 

النتيجة هي حالة من الاتزان الداخلي، تقل فيها الاستثارة المفرطة، ويصبح الشخص أقدر على التفكير قبل الرد.

 

 

 

متى يتحول الصيام إلى عامل توتر؟

رغم كل هذه الفوائد، قد يتحول الصيام إلى مصدر ضغط إذا أُسيء التعامل معه، مثل:

 

السهر المفرط وقلة النوم.

 

الإفراط في السكريات عند الإفطار.

 

إهمال شرب الماء بين الإفطار والسحور.

استمرار استهلاك كميات كبيرة من الكافيين ثم الانقطاع المفاجئ.

 

 

 

هذه العوامل قد تؤدي إلى صداع، وانخفاض سكر الدم، واضطراب المزاج، مما ينعكس سلبًا على ضبط النفس. لذلك، تحقيق الفائدة العصبية للصيام يحتاج إلى إدارة ذكية للجوانب الجسدية.

 

 

 

كيف نستثمر الصيام لتحسين ضبط النفس العصبي؟

 

 

تنظيم النوم: النوم الكافي يحافظ على توازن القشرة الجبهية الأمامية.

 

سحور غني بالبروتين والألياف: لتثبيت مستوى السكر في الدم.

تقليل المنبهات تدريجيًا قبل رمضان: لتجنب الانسحاب المفاجئ.

 

تمارين تنفس قصيرة قبل المغرب: بدل الدخول في حالة توتر.

 

استحضار نية ضبط النفس يوميًا: تحويل الصيام من امتناع جسدي إلى تدريب نفسي.

 

 

 

الصيام كإعادة ضبط شاملة

يمكن النظر إلى الصيام كزر “إعادة ضبط” للجهاز العصبي. فهو يوقف الإشباع الفوري، ويعيد ترتيب الأولويات، ويخلق مسافة بين الدافع والاستجابة. هذه المسافة هي جوهر النضج الانفعالي.

 

 

 

ومع مرور أيام الصيام، لا يتغير فقط نمط الأكل، بل يتغير إيقاع التفاعل مع الحياة. يصبح الرد أهدأ، والقرار أعمق، والانفعالأكثر اتزانًا. وحين ينتهي الشهر، تبقى هذه المهارات لمن واصل ممارستها بوعي.

 

 

 

في النهاية، الصيام ليس اختبارًا للجوع بقدر ما هو تدريب للإرادة. وكل يوم صيام ناجح هو خطوة نحو جهاز عصبي أكثر توازنًا، وعقل أكثر سيطرة، وقلب أكثر هدوءًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى