تقارير وتحليلات

الحلم الأمريكي في مهب الريح.. الولايات المتحدة تسجل هجرة سلبية لأول مرة منذ الكساد العظيم بسبب سياسات ترامب

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية تحولاً ديموغرافياً وتاريخياً غير مسبوق، حيث قلبت عام 2025 موازين القوى في ملف الهجرة الذي طالما كان عنواناً لقوة “العم سام”. فلأول مرة منذ حقبة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، سجلت البلاد “صافي هجرة سلبياً”، إذ فاق عدد المغادرين للأراضي الأمريكية عدد الوافدين إليها بنحو 150 ألف شخص.

وبينما تفتخر إدارة الرئيس دونالد ترامب بهذه الأرقام باعتبارها ثمرة لسياسات الترحيل الصارمة وتقييد التأشيرات، كشفت تقارير دولية عن جانب أكثر إثارة للقلق؛ وهو أن الأمريكيين أنفسهم باتوا يهربون من بلادهم بأعداد قياسية بحثاً عن حياة أفضل خلف المحيط.

هذا النزوح الجماعي للأمريكيين نحو القارة العجوز أحدث ارتباكاً في العواصم الأوروبية؛ ففي لشبونة، اشترى الأمريكيون العقارات بكثافة دفعت الوافدين الجدد للشكوى من سماع اللغة الإنجليزية في الشوارع أكثر من اللغة البرتغالية الأم، وفي دبلن الأيرلندية، أصبح واحد من كل 15 ساكناً في مناطق حيوية مثل “قناة جراند كانك” يحمل الجنسية الأمريكية، مما يشير إلى تصدع فكرة “الاستثنائية الأمريكية” التي طالما روجت لكون الولايات المتحدة هي المقصد النهائي للبشرية.

دوافع الهروب الكبير.. السياسة والمعيشة والرصاص
تكشف المقابلات الميدانية مع المغتربين الأمريكيين الجدد عن دوافع متشابكة دفعتهم لهجر “أرض الأحلام”، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

الاضطراب السياسي: شكلت إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب عاملاً حاسماً للكثيرين الذين فضلوا المغادرة بدلاً من التعايش مع الاستقطاب السياسي الحاد.

تكاليف المعيشة: الارتفاع الجنوني في الأسعار جعل الحياة في مدن أوروبية كبرى أرخص بكثير من العيش في الولايات المتحدة.

الأمن الشخصي: تزايد جرائم العنف وحوادث إطلاق النار العشوائي دفع العائلات للبحث عن بيئة أكثر أماناً لأطفالها.

جاذبية النموذج الأوروبي: بدأ الأمريكيون يفضلون سياسات “الديمقراطية الاجتماعية” وتوفر الرعاية الصحية الشاملة، وهو ما وصفته الباحثة كيتلين جويس بأنه اكتشاف متأخر لكون “الحياة أفضل في أوروبا”.

خريطة النزوح الأمريكي بالأسطُر والأرقام
تعكس البيانات الصادرة عن 15 دولة أوروبية والتقارير الدولية حجم القفزة الهائلة في أعداد المهاجرين الأمريكيين خلال عام 2025:

أعداد المهاجرين واللاجئين الجدد:

صافي الهجرة السلبية في أمريكا لعام 2025: 150,000 شخص.

عدد الأمريكيين الذين انتقلوا لـ 15 دولة أوروبية في عام واحد: 180,000 أمريكي.

إجمالي الأمريكيين الذين يعيشون خارج بلادهم حالياً: من 4 إلى 9 ملايين شخص (نصفهم في أوروبا).

معدلات النمو في الدول المستضيفة:

نسبة زيادة المقيمين الأمريكيين في البرتغال منذ جائحة كوفيد: أكثر من 500%.

معدل نمو عدد الأمريكيين في إسبانيا وهولندا خلال عقد: 100% (تضاعف العدد).

عدد الأمريكيين الذين استقبلتهم أيرلندا في 2025 وحده: 10,000 شخص (ضعف العام السابق).

عدد الأمريكيين الحاصلين على جوازات سفر أيرلندية العام الماضي: 40,000 شخص.

إحصاءات اجتماعية لافتة:

نسبة الأمريكيين الذين يفكرون في المغادرة حالياً: 20% (واحد من كل خمسة).

نسبة الأمريكيين الذين فكروا في المغادرة خلال ركود 2008: 10% فقط.

نمو عدد الطلاب في المدرسة الثانوية الأمريكية ببرشلونة: من 300 إلى 600 طالب خلال عامين.

لقد تحولت الهجرة من الولايات المتحدة إلى ظاهرة اجتماعية تضرب كافة الولايات، من ألاسكا ويوتا وحتى كنتاكي، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ جديد؛ فبينما يرحل “الغرباء” بقرارات سياسية، يرحل “المواطنون” بقرارات شخصية تعبر عن فقدان الثقة في المستقبل داخل حدود الوطن، ليبحثوا عن الأمان والسكينة في ظلال القوانين الأوروبية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى