1500 جثمان محتجز.. إسرائيل تخفي جثامين الفلسطينيين وتنتهك الإنسانية قبل القانون

في ظل التصعيد المتواصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يبرز ملف إنساني وقانوني بالغ التعقيد، يتعلق باحتجاز إسرائيل لجثامين مئات الفلسطينيين، وهي ممارسة تنتهك القانون الدولي الإنساني، وتثير جدلاً واسعًا حول سياسات الاحتلال تجاه الشهداء وذويهم.
وهذه القضية التي لطالما شكلت محور اهتمام الحقوقيين والمنظمات الدولية، تعود إلى الواجهة مجددًا، وسط مطالبات متزايدة بالكشف عن مصير هؤلاء الشهداء وتسليم جثامينهم لعائلاتهم لدفنهم وفقاً للشعائر الدينية والكرامة الإنسانية.
1500 جثمان محتجز.. مأساة تتجدد
بحسب مركز فلسطيني مختص برصد المفقودين والمخفيين قسرًا، فإن الاحتلال الإسرائيلي يحتجز نحو 1500 جثمان لفلسطينيين استشهدوا برصاص الجيش الإسرائيلي، أو قضوا داخل السجون، أو نتيجة القصف على قطاع غزة.
ويشمل هذا العدد 673 جثمانًا موثقًا، بعضها يعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مما يعكس حجم المأساة الممتدة عبر العقود.
وتحتجز إسرائيل هذه الجثامين في “مقابر الأرقام”، وهي مقابر سرية يُدفن فيها الشهداء دون شواهد تحمل أسمائهم، أو داخل ثلاجات خاصة، في سياسة تنتهك الأعراف الدولية، وتفاقم معاناة عائلات الضحايا التي تُحرم من وداع أبنائها ودفنهم بطريقة لائقة.
وفي أحدث الحالات، أكد المركز الفلسطيني أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قتل عددًا من الفلسطينيين في مخيم الفارعة بالضفة الغربية، مساء الأربعاء الماضي، واحتجز جثامينهم، ما يرفع عدد المحتجزين حديثًا ضمن هذه القائمة السوداء من الجرائم الإسرائيلية.
قيود إسرائيلية تعيق التعرف على الجثامين
يُعد التعرف على الجثامين أحد أكبر التحديات التي تواجه عائلات الشهداء، حيث تمنع إسرائيل إدخال فحوصات الحمض النووي (DNA) إلى قطاع غزة، وهو ما يعوق عملية تحديد هويات الشهداء المحتجزين.
ونتيجة لذلك، يُجبر الأهالي على الاعتماد على الملابس والمقتنيات الشخصية فقط للتعرف على ذويهم، ما يزيد من معاناتهم ويفاقم الألم النفسي الذي يعيشونه.
ورقة مساومة أم عقاب جماعي؟
يثير احتجاز الجثامين تساؤلات حول دوافع الاحتلال الإسرائيلي وراء هذه السياسة القمعية، حيث يعتبرها البعض عقوبة جماعية تهدف إلى الضغط على عائلات الشهداء، وحرمانهم من حقهم الإنساني في وداع أبنائهم، بينما يرى آخرون أن إسرائيل تستخدم هذه الجثامين كورقة مساومة في المفاوضات المستقبلية، سواء مع الفصائل الفلسطينية أو في صفقات تبادل الأسرى.
ترامب يتدخل.. وازدواجية المعايير الأمريكية
وسط تصاعد التوترات، دخل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على خط الأزمة، حيث وجه عبر منصته “تروث سوشال” تهديدًا مباشرًا لحركة حماس، مطالبًا بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين لديها، وإعادة جثث القتلى، وإلا فإن الحركة ستواجه “عواقب وخيمة”، على حد تعبيره.
وكتب ترامب في رسالته: “شالوم حماس، يمكنكم الاختيار، أطلقوا سراح جميع المحتجزين في غزة الآن، وليس لاحقًا، وأعيدوا فورًا جثث الأشخاص الذين قتلتموهم، وإلا فسينتهي أمركم. فقط الأشخاص المرضى والمنحرفون يحتفظون بالجثث.”
لكن هذا التصريح أثار انتقادات واسعة، حيث تساءل المركز الفلسطيني عن ازدواجية المعايير الأمريكية في التعامل مع هذه القضايا، متسائلًا: “إذا كان هذا هو الموقف الأمريكي الرسمي تجاه احتجاز الجثامين، فلماذا لا يتم تطبيق المعيار نفسه على إسرائيل التي تحتجز مئات الجثامين منذ عقود؟”.
وأكد المركز أن هذه السياسة الأمريكية المنحازة تكرس واقع الاحتلال، وتساهم في استمرار الانتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك جريمة احتجاز الجثامين التي تتنافى مع كافة المواثيق والأعراف الدولية.
تحركات حقوقية لتوثيق الجرائم وكشف المصير
في مواجهة هذه الجرائم، يعمل المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا على توثيق شامل لجميع حالات الاحتجاز، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية دقيقة تتضمن أسماء الشهداء المحتجزين، وظروف احتجازهم، وأماكن تواجدهم المحتملة، في محاولة لمواجهة الرواية الإسرائيلية وكشف الحقائق أمام الرأي العام الدولي.
وإضافة إلى ذلك، يسعى المركز إلى جمع شهادات أهالي الضحايا وشهود العيان، وتوثيق القصص الإنسانية المتعلقة بالمفقودين، إلى جانب تنظيم حملات إعلامية موسعة لتسليط الضوء على هذه القضية، ورفعها إلى المنظمات الحقوقية الدولية، للضغط على إسرائيل من أجل الكشف عن مصير المخفيين قسرًا، وإعادة الجثامين إلى عائلاتها.
تحركات قانونية ودعم نفسي لذوي الضحايا
لا يقتصر عمل المركز على التوثيق فحسب، بل يسعى أيضًا إلى تقديم الدعم القانوني لعائلات المفقودين، من خلال رفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل أمام المحاكم الدولية، وإثارة القضية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، بهدف دفع المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه هذه الجريمة المستمرة.
كما يعمل المركز على توفير الدعم النفسي والاجتماعي لأهالي الشهداء، الذين يعيشون معاناة مستمرة نتيجة فقدان ذويهم وعدم معرفة مصيرهم. ويشمل ذلك جلسات دعم نفسي، وبرامج تأهيل لمساعدتهم على التعامل مع الصدمة والضغط النفسي الناتج عن فقدان أحبائهم بطريقة غير إنسانية.
رابط إلكتروني لتجميع بيانات المفقودين
في إطار جهود توثيق القضية، أطلق المركز الفلسطيني رابطًا إلكترونيًا يتيح للعائلات تسجيل بيانات المفقودين والمختفين قسرًا، مما يساهم في تجميع معلومات موثقة حول أعداد الضحايا والظروف التي أحاطت باختفائهم.
ووفقًا لغازي المجدلاوي، مدير وحدة البحث بالمركز، فإن هذه المبادرة تهدف إلى تدقيق البيانات الواردة، والتواصل مع ذوي الضحايا للتحقق من صحتها، من أجل تعزيز جهود المناصرة، وتوفير قاعدة معلومات دقيقة يمكن الاستناد إليها في التحركات القانونية والإعلامية المقبلة.
مطالبات بالكشف عن الحقيقة وإنهاء الانتهاكات
في ظل استمرار هذه الممارسات، يطالب المركز الفلسطيني المجتمع الدولي بالتحرك العاجل للضغط على إسرائيل من أجل الكشف عن مصير المحتجزين، وتسليم الجثامين لعائلاتهم، ووقف انتهاكات الاحتلال المستمرة بحق الفلسطينيين أحياءً وأمواتًا.
كما يدعو المنظمات الحقوقية الدولية إلى تحقيقات شفافة في هذه الجرائم، ومساءلة المسؤولين عنها، لضمان عدم إفلات الاحتلال من العقاب، ومنع تكرار هذه الانتهاكات الجسيمة التي تنتهك كافة المواثيق الإنسانية والقانونية الدولية.
ختامًا.. مأساة بلا نهاية
في ظل الصمت الدولي والتواطؤ السياسي، تبقى مئات العائلات الفلسطينية محرومة من وداع أحبائها، في واحدة من أبشع صور الاحتلال الإسرائيلي التي تُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات. ومع تصاعد الجهود الحقوقية، تبقى الأنظار موجهة نحو المجتمع الدولي، وسط تساؤلات متزايدة: إلى متى ستبقى إسرائيل فوق القانون؟ ومتى سيحصل الشهداء على حقهم الأخير في الكرامة والدفن اللائق؟