منطقة السخنة الصناعية ترسم مستقبل مصر.. 190 مصنعاً تعمل و150 تحت الإنشاء.. مدبولي: أولويتنا الصحة والتعليم والإنتاج

في مشهدٍ يجسد إصرار الدولة المصرية على تطويع التحديات وتحويلها إلى فرص، حطت رحال الحكومة اليوم في “منطقة السخنة الصناعية المتكاملة”؛ هذا القلب النابض للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
جولة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت “كشف حساب” لجهودٍ جبارة استهدفت تحويل هذه البقعة الاستراتيجية من العالم إلى خلية نحل صناعية لا تهدأ.
أدلى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بتصريحات تليفزيونية، عقب انتهاء جولته اليوم في منطقة السخنة الصناعية المتكاملة، التابعة للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي زارها لافتتاح عدد من المشروعات الصناعية واللوجستية الجديدة
وكانت الجولة بحضور الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية، وزير الصناعة والنقل، والدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدوليّ، والمهندس محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، والمهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، واللواء طارق الشاذلي، محافظ السويس، ووليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
أولاً: لغة الأرقام.. حين تتحدث الإنجازات عن نفسها
استهل رئيس الوزراء تصريحاته بلغة واثقة، مشيراً إلى أن وتيرة العمل في المنطقة الاقتصادية تسير وفق “جدول زمني صارم”. فمع افتتاح 9 مصانع متنوعة اليوم، قفز إجمالي المصانع العاملة فعلياً إلى 190 مصنعاً، بينما يرتفع صخب البناء في 150 مصنعاً آخر تحت الإنشاء. وكشف مدبولي عن بشرى سارة؛ حيث سيتم الانتهاء من نحو 60 مصنعاً منها قبل نهاية عام 2026، مما يفتح آفاقاً رحبة لآلاف الشباب المصريين للالتحاق بفرص عمل نوعية في تخصصات لم تكن موجودة في القاموس الصناعي المصري من قبل.
ثانياً: معركة “العملة الصعبة”.. التصدير هو الحل
لم يعد الهدف هو التصنيع من أجل الاستهلاك فقط، بل تحول الهدف نحو “التنافسية العالمية”. فقد أكد رئيس الوزراء أن المصانع التي تفقدها اليوم تعتمد سياسة تصديرية طموحة؛ حيث تخصص 70% من إنتاجها للأسواق الخارجية، بينما تكتفي بضخ 30% في السوق المحلية. هذه المعادلة تعني ببساطة: توفير مليارات الدولارات التي كانت تُنفق في الاستيراد، وفي الوقت نفسه، جلب العملة الصعبة من الخارج. إنها صناعة حقيقية تكسر قيود التبعية الاقتصادية وتضع “المنتج المصري” في مكانه اللائق عالمياً.
ثالثاً: ثورة الطاقة المتجددة.. شمس مصر تصنع مستقبلها
في تفصيلٍ لافت لعملية “توطين التكنولوجيا”، توقف مدبولي أمام أول مصنعين متخصصين في إنتاج مكونات ألواح الطاقة الشمسية. هنا، تخلت مصر عن دور “المستورد” لتلعب دور “المنتج”؛ حيث تجاوزت نسبة المكون المحلي في هذه الصناعة المعقدة 50%. وأوضح رئيس الوزراء أن هذا التحول هو حجر الزاوية في استراتيجية الدولة لعام 2030، والتي تستهدف أن تكون 42% من طاقة مصر نابعة من مصادر جديدة ومتجددة. إن إنتاج هذه المكونات بالجنيه المصري بدلاً من استيرادها بالدولار هو “النصر الحقيقي” في معركة الاستقلال الاقتصادي.
رابعاً: شراكات عالمية واستثمارات بالمليارات
لم تتوقف الجولة عند الافتتاح، بل شهدت توقيع عقودٍ لتدشين محطة طاقة متجددة عملاقة باستثمارات تصل إلى 1.8 مليار دولار بالتعاون مع شركة “سكاتك” العالمية، بالإضافة إلى مصنع لبطاريات التخزين. هذه الاستثمارات الضخمة تجيب بوضوح على تساؤلات جدوى الإنفاق على البنية الأساسية؛ فبدون الموانئ العالمية (مثل ميناء السخنة) والشبكات القوية، ما كان لهذه الشركات الكبرى أن تضع ثقتها في السوق المصرية. وكشف مدبولي أن الحاجة لضخ 40 مليار جنيه إضافية في البنية الأساسية للمناطق التوسعية هو “ضرورة حتمية” لتلبية الطلبات اليومية المتزايدة من كبرى الشركات العالمية.
خامساً: ثمار التنمية.. المواطن في قلب المعادلة
رغم التركيز على الصناعة، لم يغفل مدبولي الجانب الاجتماعي، حيث ربط بين نجاح هذه المشروعات وقدرة الدولة على الإنفاق على قطاعي الصحة والتعليم. وأشار بلهجة إنسانية إلى أن عوائد هذه التنمية هي التي تمكن الدولة من إجراء جراحات معقدة للمواطن تكلف مليون جنيه، بينما لا يتحمل هو سوى بضع مئات. وأكد أن الهدف النهائي من كل “حجر يُوضع في مصنع” هو أن يشعر المواطن بتحسن حقيقي في مستوى معيشته، وفي جودة الخدمات المقدمة له، وفي تأمين مستقبل أفضل لأبنائه.
سادساً: نحو نمو اقتصادي غير مسبوق
بث رئيس الوزراء روح التفاؤل في ختام تصريحاته، مؤكداً أن رؤية الدولة تستهدف الوصول بمعدل نمو يصل إلى 8% بحلول عام 2030، شريطة استقرار الأوضاع الإقليمية. وأشاد بـ “جسارة الشباب المصري” الذين يديرون هذه القلاع الصناعية، وبـ “ثقة القطاع الخاص” الذي بات يساهم بأكثر من 65% من استثمارات الدولة.
إن ما شهدته السخنة اليوم هو رسالة للعالم بأن مصر تسير بخطى واثقة نحو “الجمهورية الجديدة”، حيث العلم والعمل والإنتاج هم السادة، وحيث تصبح قناة السويس ليس فقط ممراً للتجارة، بل قلباً نابضاً لصناعة المستقبل.



