رأي حر

مصر… وسيط اللحظة الحرجة: كيف تمسك القاهرة بخيوط الأزمة بين إيران وأمريكا وإسرائيل؟

في خضم واحدة من أعقد الأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط في تاريخه الحديث حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تبرز مصر باعتبارها الطرف الوحيد القادر على التحرك بثقة بين جميع هذه القوى المتنازعة ليس فقط كوسيط تقليدي بل كفاعل استراتيجي يمتلك مفاتيح التهدئة وموازين التأثير

منذ اللحظة الأولى لتصاعد التوتر لم تنجر القاهرة إلى خطاب التصعيد أو الاستقطاب بل اختارت طريقا أكثر صعوبة وعمقا الدبلوماسية الهادئة. هذا النهج الذي قد يبدو بطيئا للبعض هو في الحقيقة الأكثر تأثيرا في أوقات الأزمات الكبرى حيث تبنى الحلول الحقيقية بعيدا عن ضجيج الإعلام.

ما يميز الدور المصري ليس فقط موقعه الجغرافي أو ثقله السياسي بل ذلك الرصيد الطويل من الثقة الذي راكمته عبر عقود فالعلاقة مع الولايات المتحدة قائمة على شراكة استراتيجية ممتدة بينما تحتفظ القاهرة بخيوط اتصال غير مباشرة وفعالة مع إيران رغم تعقيدات المشهد الإقليمي. أما مع إسرائيل فتمثل مصر أحد أهم الضامنين للاستقرار منذ اتفاقية معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية 1979 وهو ما يمنحها قدرة فريدة على التأثير في حسابات تل أبيب الأمنية والسياسية.

هذه الشبكة المتشابكة من العلاقات التي قد تبدو متناقضة في ظاهرها هي في الواقع مصدر قوة استثنائية، تتيح للقاهرة أن تتحدث مع الجميع دون أن تحسب بالكامل على أحد

في إدارة هذه الأزمة تتبنى مصر فلسفة قائمة على احتواء التصعيد لا مجرد التفاعل معه فبدلا من الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة أو الدعم تعمل القاهرة على فتح قنوات اتصال خلفية ونقل الرسائل بين الأطراف ومحاولة تقريب وجهات النظر في أكثر النقاط حساسية خاصة ما يتعلق بأمن الخليج والملف النووي وقواعد الاشتباك في المنطقة.

وهنا يظهر الفارق بين الوسيط العابر” و”الوسيط المؤثر”. فمصر لا تسعى فقط لوقف إطلاق النار بل لإعادة ضبط التوازنات بما يمنع تكرار الانفجار.

تمتلك القاهرة عدة أوراق تجعلها الأكثر تأهيلا للوساطة

أولا الموقع الجغرافي الذي يربط بين بؤر التوتر من الخليج إلى شرق المتوسط مرورًا بقناة السويس. شريان التجارة العالمي.

ثانيا . ثقلها السياسي في النظام الإقليمي وقدرتها على التنسيق مع القوى العربية الكبرى دون الدخول في محاور حادة.

ثالثا. خبرتها التاريخية في إدارة النزاعات، سواء في القضية الفلسطينية أو أزمات المنطقة المختلفة.

وأخيرًا، ما يمكن وصفه بـ “المصداقية السياسية حيث تُعرف مواقف مصر بأنها محسوبة ومتزنة لا تنطلق من اندفاعات آنية بل من قراءة استراتيجية طويلة المدى.

الواقع أن هذه الأزمة تمثل اختبارًا حقيقيا ليس فقط للأطراف المتصارعة، بل أيضا لقدرة النظام الإقليمي على إنتاج حلول من داخله بعيدًا عن فرضيات القوة الصلبة وحدها. وفي هذا السياق تصبح الوساطة المصرية ليست مجرد خيار بل ضرورة

ففي عالم تتزايد فيه احتمالات الخطأ الاستراتيجي، وتضيق فيه مساحات الثقة تبقى القاهرة واحدة من آخر العواصم القادرة على التحدث بلغة يفهمها الجميع… لغة المصالح لا الشعارات

قد لا تكون مصر الأعلى صوتا في هذه الأزمة لكنها بالتأكيد الأكثر تأثيرًا في مساراتها الهادئة. وبينما تنشغل بعض الأطراف بإدارة الصراع تنشغل القاهرة بمحاولة إنهائه أو على الأقل احتوائه. وهنا يبرز السؤال الأهم:

هل تنجح الدبلوماسية المصرية في إيقاف شبح الحرب الشاملة… أم أن المنطقة تتجه نحو مواجهة لا يملك أحد السيطرة على نهايتها؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى