تقارير وتحليلات

تحية كاريوكا.. “بنت البلد” التي طوّعت الرقص للوطنية وهزمت قسوة الحياة بـ “موائد الرحمن”

في ذكرى ميلادها (22 فبراير 1919)، لا تطل علينا تحية كاريوكا كمجرد “ملكة للرقص الشرقي”، بل كظاهرة إنسانية ووطنية فريدة، جسدت فلسفة “بنت البلد” الجدعة التي لم تفرق يوماً بين فنها وبين حبها للخير والوطن.

كاريوكا، التي ولدت في قرية المنزلة بالدقهلية وهربت من قسوة الأشقاء لتبحث عن “لقمة العيش” في صالات القاهرة، لم تكن تعلم أنها ستصبح يوماً “المرأة التي بمائة رجل” في عيون الرؤساء والمثقفين، وأن قلبها الذي امتلأ بحب الفقراء سيكون أهم من رقصاتها التي هزت مسارح العالم.

لم تكن تحية مجرد فنانة عابرة، بل كانت مثقفة علّمت نفسها بنفسها بعد الشهرة، واستحقت احترام المفكر سلامة موسى الذي غيّر نظرته للرقص الشرقي بفضل رقيّها.

وفي رمضان، كانت تحية “العابدة والمحسنة”؛ فبعيداً عن الأضواء، كانت تفرغ وقتها للصيام والصلاة وزيارة الأسر الفقيرة بانتظام، حاملة فلسفة عميقة تقول: «محدّش ضامن الدنيا.. النهاردة دنيا وبكرة آخرة»، وهي الفلسفة التي جعلتها أول فنانة تؤسس لتقليد “موائد الرحمن” الذي استمرت عليه حتى رحيلها عام 1999، لتصبح قدوة لجيل كامل من الفنانات.

سجل الشرف والوطنية.. من “إخفاء السادات” إلى “دعم الفدائيين”
تجاوزت تحية كاريوكا حدود الفن لتكتب اسمها في سجل النضال الوطني المصري بمواقف جريئة لم يجرؤ عليها الكثيرون:

إيواء الثوار:

قامت بمخاطرة كبرى حين أخفت الرئيس الراحل أنور السادات في منزلها قبل ثورة 1952، هرباً من ملاحقة الاحتلال بعد مقتل أمين عثمان.

دعم المجهود الحربي:

شاركت في “قطار الرحمة” لجمع التبرعات، ونقلت السلاح بنفسها للفدائيين في منطقة القناة عام 1948.

المواقف السياسية:

انتمت لتنظيم “حدتو” الشيوعي وسُجنت دفاعاً عن مبادئها، ورفضت التطبيع مع إسرائيل جملة وتفصيلاً.

شهادة ناصر:

لُقبت بـ “امرأة بمائة رجل” من قبل الرئيس جمال عبد الناصر، تقديراً لدورها الفدائي والوطني.

وعلى الرغم من الجدل الذي أثير في الخمسينيات حول الجمع بين “الرقص والصيام”، إلا أن تحية كانت حريصة على شعائرها بشدة. ويذكر لها التاريخ أزمتها في فيلم “السيد البدوي” (1953)، حين طلب منها المخرج التدخين وهي صائمة، فرفضت بشدة حتى استفتت شيخاً أجاز لها الإفطار يوماً واحداً لضرورة العمل مقابل إطعام 60 مسكيناً، فنفذت الفتوى وأطعمت المساكين وظل مشهد “الحصان والسيجارة” شاهداً على تمسكها بعبادتها.

عاشت تحية كاريوكا حياة صاخبة بالفن والسياسة، لكنها رحلت هادئة بقلب مطمئن، تاركة وراءها إرثاً لا يمحى من العطاء؛ فيدها التي كانت “مخرومة” من كثرة الإنفاق على المحتاجين، هي ذاتها التي رفعت اسم الرقص الشرقي كفن راقٍ، وهي ذاتها التي حملت السلاح دعماً للوطن، لتظل كاريوكا رمزاً للفنانة التي لم تنسَ يوماً أصولها الشعبية وقيمها الأصيلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى