تقارير وتحليلات

مايك هاكابي سفير واشنطن بتل أبيب.. “قسيس” المستوطنات الذي ينكر وجود فلسطين ويحلم بـ “إسرائيل الكبرى”

لم يكن تعيين مايك هاكابي سفيراً للولايات المتحدة لدى تل أبيب مجرد قرار إداري روتيني أو مكافأة سياسية عادية من الرئيس دونالد ترامب لأحد حلفائه، بل كان بمنزلة إعلان رسمي عن تحول جذري في العقيدة الدبلوماسية الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.
هاكابي، الرجل السبعيني الذي قضى عقوداً من عمره متنقلاً بين المنابر الكنسية وأروقة الحزب الجمهوري، لا يحمل في حقيبته الدبلوماسية مواثيق القانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة، بل يحمل “نصوصاً توراتية” يعيد من خلالها رسم خارطة الشرق الأوسط بما يتوافق مع رؤية “الصهيونية المسيحية” اليمينية المتطرفة التي تؤمن بأن قيام “إسرائيل الكبرى” هو شرط لاهوتي لا يقبل النقاش.
تبدأ جذور هذا الفكر المتجذر من مدينة “هوب” بولاية أركنساس، حيث نشأ هاكابي في أحضان الكنيسة المعمدانية الجنوبية، وهي واحدة من أكثر القواعد المسيحية دعماً لإسرائيل في أمريكا.
وفي عام 1973، وبينما كانت المنطقة تعيش مخاضات حروب كبرى، زار هاكابي الأراضي الفلسطينية المحتلة لأول مرة وهو في ريعان شبابه، وهي الزيارة التي لم يخرج منها كبقية الزوار؛ فبدلاً من رؤية شعب يرزح تحت الاحتلال، ادعى هاكابي أنه رأى “معجزة إلهية” تتحقق على الأرض.
ومنذ تلك اللحظة، تحول القسيس الطموح إلى أحد أبرز دعاة الاستيطان، حيث قاد على مدار أربعين عاماً أكثر من مئة رحلة دينية ضمت عشرات الآلاف من الأمريكيين، لم يكن يهدف من ورائها للسياحة، بل لغسل الأدمغة بفكرة أن “فلسطين بأكملها، من بحرها إلى نهرها، هي ملك حصري لليهود بموجب عهد أبدي”.
إن مكمن الخطورة الفكرية في شخصية هاكابي، والتي تجعل منه “سفيراً استثنائياً” لليمين المتطرف، هو إنكاره المطلق للحقائق التاريخية والسياسية المتعلقة بالشعب الفلسطيني.
ففي تصريحاته المتكررة التي لم تتبدل منذ عقود، يصر هاكابي على مقولة أن “الفلسطينيين لا وجود لهم”، معتبراً إياهم “أداة سياسية” تم اختراعها لانتزاع الأرض من أصحابها “الشرعيين” بحسب وصفه.
وهذا الإنكار لم يقتصر على الكلمات، بل ترجمه عملياً بدفاعه المستميت عن شرعية المستوطنات في الضفة الغربية، التي يرفض حتى تسميتها بهذا الاسم، مصراً على استخدام المصطلح التوراتي “يهودا والسامرة”.
وبالنسبة له، فإن حل الدولتين هو “خرافة” لا مكان لها في الواقع، لأن الحل الوحيد في نظره هو قيام دولة إثنية يهودية تسيطر على كامل المجال الجغرافي لفلسطين التاريخية.
أما البعد الأكثر إثارة للقلق في رؤية هاكابي، فهو إيمانه بما يسمى “أرض الميعاد” التي تمتد حدودها “من نيل مصر إلى فرات العراق”.
وهذه الرؤية التي كشفت عنها تقارير صحفية دولية مثل “ذا جارديان”، توضح أن هاكابي لا يرى في إسرائيل دولة بحدود 1967 أو حتى 1948، بل يراها إمبراطورية توراتية يجب أن تبتلع أجزاءً واسعة من الأردن وسوريا ولبنان، ومناطق من السعودية ومصر.
وهذا الفكر لا يمثل زلة لسان، بل هو جوهر “الصهيونية المسيحية” التي ترى في التوسع الإسرائيلي واجباً دينياً يمهد لأحداث “نهاية العالم” بحسب معتقداتهم الضيقة، وهو ما يفسر الكيمياء الفريدة التي تربطه ببنيامين نتنياهو، الذي وجد في هاكابي وأمثاله من اليمين الأمريكي حلفاء “أكثر صدقاً ونفعاً” من اليهود الليبراليين الأمريكيين الذين قد يطالبونه بوقف الاستيطان أو احترام حقوق الإنسان.
ولم يتوقف هاكابي عند حدود الاستلاب الجغرافي، بل انزلق مراراً إلى مستنقع الكراهية الدينية الصريحة. ففي سجلاته تصريحات وصفت بالمشينة، تهجم فيها على الإسلام والمسلمين بشكل فج، حيث شبه صلاة المسلمين بـ “الأفلام الإباحية” في محاولة لترسيخ “الإسلاموفوبيا” وتجريد الآخر من إنسانيته ومقدساته.
وهو يروج لفكرة أن المسلمين يسعون “لإبادة المسيحيين”، مستخدماً لغة تحريضية تهدف إلى شحن الشارع الأمريكي ضد أي تقارب مع العالم العربي أو الإسلامي.
وهذا الخطاب الإقصائي لم يمنع هاكابي من تسلق سلم السلطة؛ فبعد فشله المتكرر في الوصول إلى سدة الرئاسة الأمريكية، وجد في اللوبي الصهيوني “قارب نجاة” مكنه من حكم ولاية أركنساس لسنوات، وجعل منه وجهاً إعلامياً بارزاً في القنوات الدينية والمحافظة، ليصبح في النهاية “عراب الاستيطان” في البيت الأبيض.
هاكابي اليوم ليس مجرد فرد، بل هو رأس حربة لمجموعة “صقور” في إدارة ترامب، تضم أسماء مثل جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وميريام أدلسون؛ هؤلاء جميعاً يعملون بتناغم تام لتحويل السياسة الخارجية الأمريكية إلى أداة لخدمة أجندة “الضم الشامل”.
فبينما يوفر ويتكوف الغطاء المالي والتبريرات لحروب الإبادة في غزة، يقوم هاكابي بالدور “الأيديولوجي” لشرعنة الاستيطان في الضفة.
إن وجود قسيس يؤمن بـ “إسرائيل الكبرى” في منصب سفير بواشنطن، يعني عملياً أن الدبلوماسية الأمريكية قد استبدلت “غصن الزيتون” بـ “الخارطة التوراتية”، وأن أي حديث عن سلام أو مفاوضات في ظل وجود هذه العقلية هو محض سراب.

في الختام، يمثل مايك هاكابي نموذجاً صارخاً لكيفية تحول “اللاهوت المتطرف” إلى سياسة واقعية تهدد استقرار الشرق الأوسط بأكمله. هو الرجل الذي لا يرى في صراخ الأطفال في غزة أو أنين العائلات في الضفة إلا “ضجيجاً” يعترض طريق النبوءة.
وإن العالم اليوم أمام مواجهة حقيقية مع عقلية ترفض القانون الدولي جملة وتفصيلاً، وتستبدله بـ “أساطير الأرض”، مما يفتح الباب أمام فوضى لا تنتهي، حيث تصبح التخوم ساحة للحرب، وتصبح الهوية مادة للتصفية، ويصبح “الجبل” الذي عجزت الإمبراطوريات عن ابتلاعه، مهدداً بالتقسيم والذوبان تحت وطأة “سفير جهنم” الذي جاء ليحرق الجسور بدلاً من بنائها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى