تقارير وتحليلات

رحيل مفيد شهاب.. وداعاً الفقيه القانوني الذي هزم “الاحتلال” وأعاد طابا لقلب مصر

نعت جامعة القاهرة، بلسان رئيسها وهيئتها التدريسية، ابنها البار وقائدها التاريخي الأسبق، الدكتور مفيد شهاب، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 90 عاماً.

إن رحيل شهاب في هذا التوقيت هو فقدان لمرجعية دولية نادرة، حيث كان الفقيد يمثل “موسوعة متحركة” في القانون الدولي العام وقانون البحار، وهو الرجل الذي آمن بأن الحق لا يضيع أبداً ما دام يستند إلى حجة علمية وقوة وثائقية لا تقبل التأويل.

من السوربون إلى رئاسة جامعة القاهرة

بدأت رحلة الدكتور مفيد شهاب من قلب القاهرة، لكن طموحه حلق به إلى باريس، حيث حصل على دكتوراه الدولة في القانون الدولي من جامعة السوربون العريقة.

عاد شهاب ليغرس علمه في مدرجات جامعة القاهرة، متدرجاً في سلك التدريس حتى أصبح عميداً ثم رئيساً للجامعة العريقة في الفترة من (1993 – 1997). وخلال رئاسته، شهدت الجامعة طفرة في معهد قانون الأعمال الدولي الذي أداره لسنوات، كما كان المشرف الأول على أكثر من 50 رسالة دكتوراه لباحثين من (تونس، المغرب، سوريا، فرنسا، وبلجيكا)، مما جعل فكره عابراً للحدود العربية والقارية.

مهندس “معركة الورقة والقلم” في طابا

تظل واقعة استرداد “طابا” هي التاج الذي يزين مسيرة الفقيد. ففي الثمانينيات، عندما حاولت إسرائيل التلاعب بالعلامات الحدودية، كان مفيد شهاب عضواً جوهرياً في “اللجنة القومية لاسترداد طابا”.

ويذكر التاريخ للراحل دقة بحثه التي لا تبارى؛ حيث روى في مذكراته كيف استطاع الفريق القانوني المصري إبهار محكمة التحكيم الدولية في جنيف بتقديم وثائق تاريخية وخرائط نادرة، بل واستخدام منشورات من صحف إسرائيلية كأدلة إدانة ضد ادعاءات الاحتلال بشأن العلامة الحدودية 91.

لقد كان مفيد شهاب يرى أن انتصار طابا هو “الضلع الثالث” لمثلث الكرامة المصرية، الذي بدأ بحرب أكتوبر العسكرية، ثم معاهدة السلام الدبلوماسية، وصولاً إلى التحكيم القانوني الذي قاده هو ورفاقه، ليثبتوا للعالم أن مصر تمتلك “عقولاً قانونية” لا تقل قوة عن جيشها في الميدان.

رجل الدولة.. عشر سنوات في مطبخ السياسة والتشريع

لم يكن شهاب بعيداً عن العمل التنفيذي؛ فمنذ عام 1997 وحتى 2011، تقلد أرفع المناصب الوزارية:

وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي (1997 – 2004): حيث قاد حركة تطوير الجامعات المصرية.

وزيراً لشؤون مجلس الشورى (2004 – 2005): ليكون حلقة الوصل بين الحكومة والغرفة التشريعية الثانية.

وزيراً للمجالس النيابية والشؤون القانونية (2005 – 2011): وهو المنصب الذي برز فيه كأحد أهم المشرعين والمدافعين عن السياسات القانونية للدولة تحت قبة البرلمان.

المكتبة “الشهابية”.. 80 دراسة تدرس للعالم

ترك الراحل خلفه ثروة فكرية تضم أكثر من 80 بحثاً ودراسة علمية باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، إلى جانب مؤلفات مرجعية لا تخلو منها مكتبة قانونية، وأبرزها:

“قانون البحار الجديد والمصالح العربية” (1977).

“جامعة الدول العربية: دراسة تحليلية للميثاق والإنجازات” (1978).

“الكويت وجوداً وحدوداً” (1991).

“القانون الدولي العام” و”المنظمات الدولية”.

حصاد التكريم العالمي والوطني

لم تكن الأوسمة التي تقلدها الدكتور مفيد شهاب مجرد معادن، بل كانت اعترافاً دولياً بعبقريته؛ فحصل على:

وسام الجمهورية من الدرجة الأولى (2014): تقديراً لدوره التاريخي في استعادة طابا.

وسام جوقة الشرف (فرنسا): برتبة فارس، تقديراً لعلاقاته الأكاديمية العميقة مع المدارس القانونية الفرنسية.

وسام الاستحقاق (إيطاليا) ووسام البحرين من الدرجة الأولى.

جائزة النيل في العلوم الاجتماعية (2019): وهي أرفع جائزة تمنحها الدولة المصرية لمبدعيها.

برحيل الدكتور مفيد شهاب في هذا اليوم من عام 2026، تنطوي صفحة مضيئة من تاريخ الدفاع عن السيادة المصرية، ليبقى ذكره حياً في كل “علامة حدودية” حماها، وفي كل “قاعدة قانونية” أرساها، وفي قلوب الآلاف من تلاميذه الذين تعلموا منه أن “الحق أحق أن يُتبع”.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى