فيديو عنصري ضد أوباما يعيد فتح جراح أمريكا التاريخية.. ترامب يفضح أزمة القيم وغياب المحاسبة السياسية

قبل أيام، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقطع فيديو عنصريا استهدف الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل، حيث صورهما في صورة قردين، ما أعاد النقاش حول العنصرية المتجذرة وغياب المساءلة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من أن ترامب حذف مقطع الفيديو بعد يوم واحد، إلا أنه مجرد نشر مثل هذه المقاطع أكد عنصرية ترامب، مثلما أكد أن “العنصرية ليست جديدة على الولايات المتحدة، وأن ملايين الناخبين الذين صوتوا لهم يريحون ضمائرهم بمجرد التعبير عن الندم، دون أن تكون هناك أي تداعيات أو مساءلة سياسية”، بحسب مقال كتبه الصحفي الأمريكي جميل سميث على صفحات جريدة “ذا جارديان” البريطانية.
يقول سميث: اتصل جمهوري بارز يدعى جون ببرنامج واشنطن جورنال قائلا: “لقد صوتت للرئيس ترامب ودعمته، لكنني أريد حقا أن أعتذر؛ كنت أحدق في صورة شاهدها الأمريكيون كثيرا في الأيام الأخيرة؛ وهي صورة باراك وميشيل أوباما وفمهم مشدود في ابتسامات مشوهة ووجوههم ملصقة على أجساد القرود. نشرت الصورة على حساب الرئيس ترامب على تروث سوشيال؛ وجرى حذفها في اليوم التالي؛ لكن ما بقي هو الغضب؛ يا له من إحراج لبلدنا. كل ما يفعله هذا الرجل هو الكذب. إنه لا يستحق الرئاسة. يتلقى الرشاوى بشكل فاضح، والآن أصبح عنصريا بشكل فاضح أيضا”.
ويمضي الكاتب الأمريكي قائلا: “عندما سألت المذيعة جريتا براونر المتصل عما إذا كان قد دعم ترامب في كل الانتخابات الثلاث، لم يتردد جون في الرد: نعم، فعلت. لقد انجرفت في غباء فكرة خلق الوظائف. لم تعد هناك وظائف. الأمور أسوأ مما كانت عليه سابقا”.
ترامب أخرج العنصرية الأمريكية من مخبئها
يقول سميث: جون لم يبدُ وكأنه يبحث عن المغفرة. الصورة التي تظهر أول رئيس أسود للولايات المتحدة والسيدة الأولى على شكل قرود بدت وكأنها أخرجت شيئا إلى النور في توقيت متأخر؛ فالعنصرية لم تكن جديدة، لكن الجديد كان عدم قدرة جون على التغاضي عنها. وللحظة على الأقل، انزاحت القيود عن عينيه، وكان مستعدا لإخبار الأمة بذلك.
ومع ذلك، يستمر ملايين الناخبين في تبرير الآلية نفسها التي يدعي جون أنه أدركها أخيرا، على الرغم من تراجع شعبية ترامب بشكل كبير في كل القضايا الرئيسية تقريبا. لقد أدلوا بأصواتهم، بعضهم ثلاث مرات، لمرشح يتجنب تحمل المسؤولية، بحسب سميث.
عائلة ترامب حققت مكاسب بمليارات الدولارات
ويتابع الكاتب الأمريكي: هذا لا يمكن أن يكون صحيا للولايات المتحدة، ولم يكن كذلك. فقد كانت عواقب فترة ترامب الثانية واضحة ولا تغتفر. لقد قامت إدارته بمضايقة واعتقال الصحفيين. واستفاد ترامب وعائلته من ثرواتهم على نطاق مذهل بقيمة بلغت 4 مليارات دولار بحسب تقديرات مجلة “نيويوركر” الأمريكية؛ وجرى تقويض السياسات المناخية الحيوية. وبينما يعاني الاقتصاد وسوق العمل، يستمر هو وأتباعه في لوم المهاجرين، محملين إياهم مسؤولية المشكلات التي يعاني منها المجتمع الأمريكي.
خسائر بشرية يصعب حصرها
وقال: “من الصعب حساب الخسائر البشرية، لكنها حقيقية بلا شك. يمكننا حساب الأرواح التي فقدت بسبب سوء إدارة ترامب لكارثة إعصار ماريا في بورتو ريكو وجائحة كوفيد خلال فترته الأولى، وكذلك استمرار تشجيعه للعلوم الزائفة. ويمكننا توثيق الوفيات والانتهاكات داخل مرافق الاحتجاز للمهاجرين. ويمكننا بالفعل رؤية العواقب العالمية لتفكيك المساعدات الإنسانية والحماية البيئية. ومع ذلك، يظل الضرر الكامل للمؤسسات والقيم غير قابل للحساب”.
ويضيف: أقر المعلق المحافظ بن شابيرو مؤخرا بعيوب ترامب، لكنه جادل بأنها مقبولة بالنظر إلى منافسته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كامالا هاريس. هذا هو الحساب: ليس إنكار الضرر، بل قبوله باعتباره تكلفة مقبولة. وهذا القبول هو ما يتطلب المحاسبة، ليس فقط التصويت الأول، بل كل ما تلاه بينما كان الناخبون يتغاضون عن الأمور.
الصمت على جرائم ترامب
ويتابع بقوله: يوما بعد يوم، يواصل المسؤولون المنتخبون والمعلقون التفكير في كيفية التحدث عن ناخبي ترامب دون إغضابهم. أفهم الغريزة السياسية، لكن هناك خطر أكبر؛ فغالبا ما تتحول المجاملة إلى تبرئة. وفي محاولة تجنب الصراحة، تختفي المسؤولية بصمت. لهذا أشكر جون على اعتذاره، لكنني أرفض قبوله. ففي الحياة الأمريكية، أصبح الاعتذار والندم بديلا عن المحاسبة. فالندم في السياسة يظهر عادة فقط بعد أن يصبح الضرر لا يمكن إنكاره أو لا يمكن إصلاحه أو من المستحيل تجاهله. فالاعتذار والندم يشيران إلى نهاية الحوار حين يجب أن يكونا بداية له.
وأوضح: “لقد رأينا هذا النمط من قبل. أصدرت الحكومة الفيدرالية اعتذارات رسمية عن الفظائع التاريخية المرتبطة بالعبودية والاضطهاد العرقي، وعن غزو هاواي وعن تجارب مرض الزهري غير الأخلاقية؛ وخلال إدارة بايدن، سمعنا اعتذارات عن إساءة المعاملة داخل المدارس الفيدرالية للأطفال الأمريكيين الأصليين. ومن الجيد رؤية عدد قليل من الجمهوريين يطالبون الآن بأن يعتذر ترامب عن منشوره العنصري الأخير، لكن رفضهم للمحاسبة الحقيقية يجعل هذه المطالب جوفاء”، يقول سميث.
أمريكا.. 250 عاما من السقوط في مستنقع العنصرية
كما يضيف الكاتب: مع اقتراب الأمة الأمريكية من الذكرى الـ250 لتأسيسها، لا تزال عالقة في نفس الحلقة الأخلاقية المتعلقة بالعرق والعنصرية، والتي تتمثل في الضرر، والإنكار، ثم الندم المتأخر دون إصلاح، وكأننا ندور في حلقة مفرغة لشراء الوقت.
ويختتم سميث مقاله بالقول: إن التعبير عن الندم من المفترض أن يكون بداية المحاسبة، لكنه غالبا ما يبدو كخاتمة مفاجئة. وإذا لم يفرض الندم المسؤولية ويحول إلى محاسبة، فإنه لا يزيد على كونه مجرد طريقة لتهدئة الضمير مع بقاء السلطة والسياسات العنصرية الأمريكية على حالها. وإذا كان أنصار ترامب نادمين حقا على دعمهم له، فعليهم أن يفعلوا أكثر من مجرد ترديد الكلمات.



