تقارير وتحليلات

16.3 مليار دولار حجم سوق التأمين السيبرانى المتوقع في 2026.. فجوة حماية عالمية مقلقة و47% فقط من المؤسسات لديها وثائق مستقلة

 

 

 

لم يعد الحديث عن الهجمات الإلكترونية أمرًا استثنائيًا أو مرتبطًا بالشركات التكنولوجية فقط، بل أصبح خطرًا يوميًا يهدد الحكومات والمؤسسات المالية والصناعية وحتى الشركات الصغيرة. ومع هذا التصاعد الكبير فى حجم وتعقيد الجرائم الرقمية، برز التأمين السيبرانى كأحد أهم أدوات إدارة المخاطر الحديثة، فى محاولة لتقليل الخسائر المالية الناجمة عن الاختراقات، وتسريب البيانات، وتعطل الأعمال.

الأرقام تعكس بوضوح تسارع نمو هذا القطاع. فبحسب تقديرات حديثة، بلغ حجم سوق التأمين السيبرانى العالمى نحو 15.3 مليار دولار فى عام 2024، قبل أن يرتفع إلى حوالى 16.3 مليار دولار مع نهاية 2025، مدفوعًا بمعدل نمو سنوى مركب ظل ثابتًا لسنوات طويلة. ولا تتوقف التوقعات عند هذا الحد، إذ يرى محللون أن السوق مرشح للتضاعف تقريبًا بحلول عام 2030، مع استمرار التحول الرقمى واتساع الاعتماد على البنية التحتية التكنولوجية فى مختلف القطاعات.

ورغم هذه القفزة، تشير نشرة اتحاد شركات التأمين المصرية إلى حقيقة مهمة، وهى أن التأمين السيبرانى ما زال يمثل أقل من 1% فقط من إجمالى أقساط تأمين الممتلكات والمسؤوليات على مستوى العالم. وبعبارة أخرى، فإن حجم الخطر المتنامى لا يقابله حتى الآن حجم موازٍ من التغطية التأمينية، ما يعنى وجود فجوة حماية واسعة.

الشركات الكبرى مقابل الصغيرة

الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الضخمة باتت تنظر إلى التأمين السيبرانى باعتباره عنصرًا أساسيًا فى منظومة إدارة المخاطر، بل وأحد متطلبات الحوكمة والامتثال التنظيمى فى كثير من الدول. هذه الكيانات تملك الموارد اللازمة لتطوير أنظمة أمن رقمى متقدمة، كما تستطيع تحمل تكلفة الوثائق المرتفعة نسبيًا.

على الجانب الآخر، تبدو الصورة أكثر قتامة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التى غالبًا ما تفتقر إلى الميزانيات الكافية أو الخبرات الفنية المطلوبة. هذه الفئة تمثل هدفًا مفضلًا للمهاجمين، لأنها أضعف دفاعًا وأقل استعدادًا لتحمل تبعات أى هجوم واسع النطاق، ما يهدد بانتقال الأثر عبر سلاسل الإمداد إلى شركات أكبر.

فجوة الحماية.. الخطر الصامت

وراء أرقام النمو، تظهر أزمة حقيقية تتعلق بمدى القدرة على الصمود. فالتقديرات تشير إلى أن 47% فقط من المؤسسات المؤهلة حول العالم تمتلك وثيقة تأمين مستقلة ضد الجرائم الإلكترونية. أى أن أكثر من نصف الكيانات المعرضة للخطر تعمل فعليًا دون شبكة أمان.

ويتضح عمق المشكلة عند مقارنة الأثر الاقتصادى بالخسائر المؤمن عليها. فى ألمانيا مثلًا، ارتفع الأثر الاقتصادى للجرائم السيبرانية بنحو 250% خلال السنوات الأربع الماضية، بينما لم ترتفع التعويضات التى دفعتها شركات التأمين سوى بنحو 70%. هذه النسبة تعكس فجوة تتجاوز 3 إلى 1، حيث تتحمل الشركات والأفراد العبء الأكبر من الخسائر.

لماذا لا يشترى الجميع التأمين؟

هناك عدة أسباب تفسر هذا التردد. أولها التكلفة؛ إذ ترى نسبة كبيرة من الشركات الصغيرة والمتوسطة أن أقساط التأمين ما زالت مرتفعة مقارنة بقدراتها المالية. وتشير بيانات السوق إلى أن 34% من الكيانات غير المؤمن عليها تعتبر السعر هو العائق الرئيسى.

السبب الثانى يتمثل فى التعقيد. فشركات التأمين أصبحت تطلب تقييمات فنية دقيقة، وإثباتات على وجود أنظمة حماية، وخطط استجابة للحوادث، وهو ما يمثل عبئًا إداريًا وتقنيًا على المؤسسات محدودة الموارد.

أما السبب الثالث فهو نقص الوعى. لا تزال عقلية «لن يحدث لى» حاضرة بقوة، حيث يرى كثير من المديرين أن احتمالات التعرض لهجوم كبير منخفضة، أو أنهم بحاجة لمزيد من البحث قبل اتخاذ القرار.

وأخيرًا، هناك مسألة قيود التغطية، مثل استثناء الهجمات المدعومة من دول أو تلك المرتبطة بالبنية التحتية القديمة، ما يثير تساؤلات حول القيمة الفعلية للوثيقة.

تداعيات اقتصادية أوسع

المشكلة لا تقف عند حدود الشركة المتضررة. فحين تفشل مؤسسة غير مؤمن عليها فى التعافى من هجوم كبير، يمكن أن يمتد التأثير إلى الموردين والعملاء والشركاء، ما يخلق موجات من الخسائر المتتالية. ومن هنا ينظر خبراء إلى فجوة الحماية باعتبارها تهديدًا للاستقرار الاقتصادى، وليست مجرد مسألة تجارية تخص شركات التأمين.

الذكاء الاصطناعى.. سلاح ذو حدين

فى قلب هذا المشهد المتغير، يبرز الذكاء الاصطناعى كلاعب رئيسى. فمن ناحية، يستخدمه المهاجمون لتطوير برمجيات خبيثة أكثر تطورًا، وهجمات تصيّد شديدة الإقناع، وعمليات اختراق أسرع وأكثر دقة.

ومن ناحية أخرى، يوفر الذكاء الاصطناعى أدوات دفاعية متقدمة، مثل التحليل السلوكى، والكشف المبكر عن الأنماط غير الطبيعية، والاستجابة الآلية للحوادث. بالنسبة لشركات التأمين، تساعد هذه التقنيات فى تحسين نماذج تقييم المخاطر وتسعير الوثائق، لكنها فى الوقت نفسه تجعل البيئة أكثر تعقيدًا بسبب التطور المستمر فى طبيعة التهديدات.

وتظهر الدراسات أن المؤسسات التى تبنت الذكاء الاصطناعى والأتمتة بشكل واسع نجحت فى توفير متوسط 2.22 مليون دولار لكل اختراق، كما انخفضت لديها تكلفة الكشف عن الحوادث، والتى يبلغ متوسطها عالميًا نحو 1.47 مليون دولار.

إلى أين يتجه السوق؟

يتفق خبراء الصناعة على أن المستقبل سيشهد توسعًا أكبر فى الطلب، مدفوعًا بتشريعات أكثر صرامة، وارتفاع وعى المستثمرين، وتزايد الاعتماد على الخدمات الرقمية. لكن تحقيق هذا النمو يتطلب تطوير منتجات أكثر مرونة، وتبسيط إجراءات الاكتتاب، وتعزيز ثقافة إدارة المخاطر داخل المؤسسات.

فى النهاية، يمكن القول إن التأمين السيبرانى لم يعد رفاهية أو خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة فى عالم رقمى تتزايد فيه التهديدات بوتيرة أسرع من أى وقت مضى. ومع استمرار اتساع فجوة الحماية، سيبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الأسواق فى اللحاق بسرعة الخطر قبل أن تتضاعف كلفته على الجميع؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى