تقارير وتحليلات

داعش يتمدد في إفريقيا.. الساحل وبحيرة تشاد يتحولان إلى بؤرة للهجمات الإرهابية وسط غياب الأمن وانتشار الفقر

في وقتٍ تراجع فيه ضجيج المعارك في معاقل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” التقليدية في الشرق الأوسط، يبدو أن التنظيم قد وجد ضالته في القارة السمراء، محولاً منطقة الساحل وغرب إفريقيا إلى “مكتب عمليات” هو الأنشط والأكثر دموية على مستوى العالم.

ومع التئام مجلس الأمن الدولي اليوم الأربعاء لمناقشة التقرير الاستراتيجي الـ22 للأمم المتحدة، تبرز الأرقام الصادمة لتعكس واقعاً أمنياً مرعباً ينذر بانهيار الاستقرار في قلب القارة.

أرقام الدم.. حين يتحدث الإرهاب بـ “لغة الضحايا”
لم تعد التحذيرات الدولية مجرد هواجس، بل باتت حقائق موثقة بلغة الأرقام؛ حيث سجل عام 2024 تحولاً دراماتيكياً بجعل منطقة الساحل الإفريقي مسؤولة عن 51% من إجمالي الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالمياً.

وفي مشهد يعيد للأذهان وحشية التنظيم، شهدت ضفاف بحيرة تشاد في 10 نوفمبر الماضي مجزرة مروعة راح ضحيتها نحو 200 شخص في يوم واحد، إثر صدامات طاحنة بين عناصر “بوكو حرام” ومقاتلي “ولاية غرب إفريقيا” التابعة لداعش.

ويكشف التقرير الأممي أن فرع “ولاية غرب إفريقيا” بات القوة الضاربة للتنظيم عالمياً، حيث نفذ وحده نحو 215 هجوماً خلال عام 2025، مستحوذاً على 35% من إجمالي عمليات داعش وفروعه حول العالم.

بحيرة تشاد.. “الملاذ الآمن” في غياب الدولة
تتحول الجغرافيا أحياناً إلى عبء أمني، وهو ما ينطبق على حوض بحيرة تشاد التي تتقاسمها أربع دول (نيجيريا، الكاميرون، النيجر، تشاد). هذه المنطقة، القريبة من غابة “سامبيسا” الشاسعة، تحولت إلى “منطقة آمنة” للتنظيمات الإرهابية لصعوبة فرض السيطرة السيادية عليها.

وبلغ التصاعد ذروته في مايو 2025 بتسجيل 45 هجوماً مؤكداً في شهر واحد، وهو المعدل الأعلى منذ خمس سنوات.

ويعزو المحللون هذا التغول إلى استراتيجية “داعش” في استغلال المظالم المحلية؛ ففي تشاد مثلاً، حيث يعيش 42% من السكان تحت خط الفقر، يجد التنظيم في الفقر والجوع والبطالة بيئة خصبة لاستقطاب الشباب وتجنيدهم، مقدماً نفسه كبديل لمؤسسات الدولة التي عجزت عن توفير الغذاء والرعاية الصحية.

انفجار إرهابي.. زيادة النشاط بنسبة 124%
وفقاً للخريطة التفاعلية لـ “مجلس العلاقات الخارجية”، شهدت منطقة الساحل وغرب إفريقيا انفجاراً في النشاط الإرهابي خلال عام 2024، بزيادة بلغت 124% مقارنة بالعام السابق. ولم يقتصر الأمر على عدد الهجمات التي بلغت 1676 هجوماً، بل امتد ليشمل “تفريخ” جماعات جديدة؛ حيث ارتفع عدد التنظيمات الإرهابية النشطة بالمنطقة من 10 جماعات في 2023 إلى مستوى مقلق يعكس هشاشة التحالفات الأمنية الإقليمية وتراجع الضغط العسكري.

لغز الاستمرار.. قارة “محاصرة بالأقمار” ومخترقة بالإرهاب
يثير استمرار وتمدد “داعش” في إفريقيا تساؤلات غامضة حول فاعلية الرقابة الدولية. وفي هذا السياق، يطرح المتخصص في شؤون الحركات الإرهابية، مافا كوانيساي مافا، تساؤلاً جوهرياً: “كيف للقارة الأكثر مراقبة في العالم، المحاصرة بالأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار والقواعد العسكرية الأجنبية، أن تشهد تحركات إرهابية تسافر وتتاجر بالسلاح وتجند العناصر عبر الحدود دون أن يلحظها أحد؟”.

هذا التناقض بين حجم المراقبة الاستخباراتية المكثفة وبين بقاء وتمدد التنظيمات الإرهابية، يولد شكوكاً لدى الشارع الإفريقي حول الأهداف الحقيقية للتدخلات الأجنبية، وما إذا كان الإرهاب يُتخذ أحياناً كذريعة للبقاء العسكري الدولي في مناطق الثروات والنزاعات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى