تقارير وتحليلات

أمريكا تنهي زمن الحماية المجانية.. واشنطن ترفع يدها عن أوروبا وتتركها لمواجهة مصيرها.. العم سام يرفع شعار “استعدوا للحرب وحدكم أو ادفعوا الثمن”

بعد خمسة وسبعين عاماً من الهدوء تحت مظلة أمريكا النووية، استيقظت أوروبا في عام 2026 على واقع جيوسياسي أكثر صلابة وتعقيدًا مما كانت تتوقعه، واقع يجبرها على إعادة التفكير في دورها التقليدي في أمنها القومي.
ووفقاً لتحليلات الخبير الاستراتيجي رامون ماركس، لم يعد مسموحًا للأوروبيين أن يكتفوا بدور المشاهد في مسرح مصالحهم الخاصة، فقد تغيرت قواعد اللعبة بشكل جذري، وأصبحت واشنطن، التي تدير اليوم رقعة شطرنج عسكرية ممتدة من بحر الصين الجنوبي إلى نيجيريا، حيث تطارد الجماعات المتطرفة، غير قادرة على أن تكون الحارس الدائم لكل متر مربع في القارة.
وهذا التحول لا يعكس ضعفًا في القوة الأمريكية، بل إعادة توزيع للتركيز على جبهات متعددة، ما يفرض على القادة الأوروبيين أن يكونوا أكثر استعدادًا ومسؤولية تجاه دفاعاتهم الذاتية.
وجاءت قمة الناتو في لاهاي عام 2025 لتكون بمثابة “محرقة للميزانيات”، حيث اضطرت الدول الأوروبية تحت ضغط الحرب الروسية–الأوكرانية والصرامة الأمريكية إلى رفع مستويات الإنفاق الدفاعي إلى خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى غير مسبوق يمثل قفزة نوعية في تاريخ الدفاع الأوروبي.
وهذه الخطوة لم تكن مجرد رقم على الورق، بل رسالة واضحة من واشنطن مفادها أن الدعم الأمريكي سيظل موجودًا، لكنه سيكون محدودًا ومركّزًا على المهام الأساسية، مع تأكيد أن القوات الأمريكية مثقلة بالتزامات في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية وأفريقيا، بما يجعل من المستحيل الاستمرار في تخصيص موارد ضخمة لأمن أوروبا وحدها.
وفي الوقت نفسه، يكشف الواقع الميداني عن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إذ ما زال نحو 80 ألف جندي ينتشرون من بولندا شرقا إلى لاتفيا شمالًا، بينما تظل أكبر القواعد العسكرية، بما فيها قاعدة رامشتاين في ألمانيا، تحت العلم الأمريكي بالكامل. إلا أن أي انسحاب مستقبلي لن يترك فراغًا، فواشنطن ستترك وراءها 31 قاعدة دائمة وبنية تحتية مجهزة بالكامل، يمكن للدول المضيفة إدارتها بأنظمة وأدوات مستقلة، ما يمنح أوروبا فرصة لبناء دفاع ذاتي قوي دون فقدان القدرة التشغيلية.
بعيدًا عن هذه المعطيات، يظهر أن أوروبا لم تعد الطرف الضعيف الذي يُعتمد عليه فقط. على مستوى الجو والبحر، تمتلك القارة أساطيل من الطائرات المقاتلة، يصل عددها إلى نحو ألفي طائرة، بينها عشرات من طراز F-35 الشبحية، إضافة إلى حاملات طائرات وسفن برمائية فرنسية وإيطالية وإسبانية، قادرة على العمل في المتوسط وبحر البلطيق معًا.
وفي المجال النووي، تحتفظ لندن وباريس بغواصات مزودة بصواريخ باليستية، ما يوفر مظلة ردع مستقلة وفعالة بعيدًا عن أي تبعية مباشرة للولايات المتحدة.
كما شهد عام 2024 تأسيس تحالف صناعي بين ست دول أوروبية لتطوير صواريخ كروز أرضية، مع خطط لزيادة إنتاج الذخائر وتنويع الموردين، وهو ما يقلل الاعتماد على المصانع الأمريكية ويعزز الاكتفاء الذاتي العسكري، ويضع القارة في موقع قوة لم يكن متوقعًا قبل سنوات قليلة.
هذه النهضة العسكرية بدأت تأخذ شكلها العملي على الأرض، حيث نفذ كوماندوز فرنسي عملية ناجحة للسيطرة على ناقلة نفط روسية “شبحية” كانت تحاول الالتفاف على العقوبات الأوروبية، في رسالة واضحة لموسكو مفادها أن أوروبا باتت تمتلك “مخالب” بحرية قادرة على فرض إرادتها وتنفيذ سياساتها بشكل مستقل.
وما يجعل هذا التطور أكثر أهمية هو أن أوروبا لم تعد تركز فقط على القوة التقليدية، بل بدأت الاستثمار في قدرات متقدمة لمواجهة التهديدات غير التقليدية، مثل الهجمات الإلكترونية، والصواريخ الدقيقة، والعمليات السرية العابرة للحدود، بما يعكس تحوّلًا استراتيجيًا شاملًا.
وعند النظر إلى المستقبل حتى عام 2030، تظهر السيناريوهات المتوقعة لتوازن القوة على النحو التالي: أوروبا ستشهد زيادة تدريجية في الإنفاق الدفاعي، مع تكثيف مشاريع التصنيع العسكري المشترك، بما في ذلك الطائرات المسيرة المسلحة وأنظمة الدفاع الصاروخية العابرة للقارات.
كما ستستثمر القارة في تطوير شبكات استخباراتية مشتركة لمواجهة التهديدات السيبرانية، وتوسيع التعاون بين القوات البحرية في المتوسط وبحر الشمال، لتعزيز القدرة على مراقبة خطوط الإمداد البحرية وتأمينها من أي تهديدات روسية أو صينية محتملة.
في مواجهة روسيا، تمتلك أوروبا اليوم قدرة ردع حقيقية، مدعومة بالقوة الجوية والبحرية والنووية، ما يجعل أي عملية عدائية محفوفة بالمخاطر. أما في مواجهة الصين، فإن التحدي الأكبر يكمن في الاستجابة للتهديدات التكنولوجية والاقتصادية، وهو ما يدفع القادة الأوروبيين إلى البحث عن استقلالية صناعية واستراتيجية أكبر، تتجاوز مجرد الاعتماد على واشنطن.
وفيما يخص التهديدات غير التقليدية، بما في ذلك الجماعات المتطرفة والهجمات الإلكترونية، فإن النهضة الأوروبية توفر مرونة أكبر للرد بشكل مباشر وسريع، دون انتظار الدعم الأمريكي.
وفي الخلاصة، يظل الناتو قائمًا، ولن ينهار، لكن هويته تتغير تدريجيًا، حيث تنتقل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا من الاعتماد شبه الكامل إلى علاقة أكثر براجماتية، قائمة على الكفاءة والقدرة وليس الولاء فقط.
ووفقًا لرامون ماركس، فإن الاستقلال العسكري الأوروبي هو السبيل الوحيد لجعل صوت القارة مسموعًا في المفاوضات الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بمصير القارة في الأزمات الكبرى مثل الأزمة الأوكرانية، بدلًا من أن تُقرر واشنطن وموسكو مصير أوروبا فوق رؤوس أصحابها.
والواقع أن أوروبا اليوم لم تعد قوة ناعمة أو متفرجة، بل بدأت بالفعل في استعادة قدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة وممارسة نفوذ ملموس على الأرض، بما يعكس تحوّلًا استراتيجيًا جوهريًا في شكل القوة والدفاع والأمن على المستوى القاري والدولي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى