تقارير وتحليلات

مغامرة ترامب النقدية.. هل ينجح “كيفين وارش” في ترويض صقور الاحتياطي الفيدرالي وتحويل خفض الفائدة إلى واقع ملموس

خلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشهد سياسي واقتصادي، جعل العالم يترقب هوية الربان الجديد لأقوى بنك مركزي في العالم، ثم جاء قرار ترامب بترشيح “كيفين وارش” لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي بمثابة حجر ألقي في مياه السياسة النقدية الراكدة.

وهذا الترشيح ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل هو رهان استراتيجي محفوف بالمخاطر، يهدف من خلاله ترامب إلى إعادة صياغة العلاقة بين البيت الأبيض و”المبنى الرخامي” في شارع كونسيتيوشن، وسط تساؤلات حارقة أبرزها: هل يمتلك وارش العصا السحرية لخفض أسعار الفائدة وتلبية طموحات ترامب، أم أن هيكلية الفيدرالي الصلبة ستجعله مجرد “صوت في وادٍ”؟

ديمقراطية القرار.. صوت واحد وسط أمواج متلاطمة

خلافاً للتصور الشائع بأن رئيس الاحتياطي الفيدرالي هو الحاكم بأمره، فإن الواقع المؤسسي يفرض قيوداً صارمة. إن أي قرار بشأن تكلفة الاقتراض في الولايات المتحدة لا يخرج من مكتب الرئيس منفرداً، بل هو نتاج مداولات معقدة داخل “اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة”.

وتتألف هذه اللجنة من 12 عضواً مصوتاً، يمثلون مزيجاً من مجلس المحافظين ورؤساء البنوك الاحتياطية الإقليمية.

وهنا تكمن المعضلة أمام طموحات ترامب؛ فصوت كيفين وارش -في حال مصادقة مجلس الشيوخ عليه- سيعادل تماماً صوت أي عضو آخر في اللجنة. هذا الهيكل “الديمقراطي” صُمم تاريخياً لمنع الاستبداد النقدي ولضمان استقلالية القرار عن الضغوط السياسية المباشرة.

ويقول مراقبون إن المراهنة على شخص واحد لتغيير مسار أسعار الفائدة هي مراهنة تتجاهل طبيعة “التوافق” التي تحكم الفيدرالي.

فالأعضاء الحاليون، والذين يتمتع الكثير منهم بفترات ولاية ممتدة، يميلون إلى حماية مصداقية المؤسسة والاعتماد الحصري على البيانات الاقتصادية  بدلاً من الانصياع للرغبات السياسية.

قوة الخطاب..  السلاح السري لوارش خلف الكواليس

إذا كانت سلطة التصويت محدودة، فإن سلطة “المنبر” هي السلاح الأقوى لرئيس الفيدرالي، ويمتلك وارش، المعروف بقدراته التواصلية العالية، القدرة على تشكيل “توقعات السوق” حتى قبل إجراء التصويت الرسمي.

وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن الأسواق المالية لا تتفاعل فقط مع قرارات الفائدة، بل مع “اللهجة” التي يتحدث بها الرئيس في شهاداته أمام الكونجرس أو خطاباته في منتدى “جاكسون هول”.

ومن خلال توجيه الرسائل حول مسار التضخم وبناء توافق داخلي بين أعضاء اللجنة، يمكن لوارش أن يمارس تأثيراً غير مباشر ولكنه عميق على تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وهذا التأثير “الناعم” قد يمتد ليشمل القروض الاستهلاكية، بطاقات الائتمان، والرهون العقارية، حيث تلعب التوقعات المستقبلية دوراً لا يقل أهمية عن السعر الفعلي للفائدة الذي يحدده البنك المركزي.

لغز وارش.. هل هو صقر يرتدي رداء الحمائم؟

لطالما ارتبط اسم كيفين وارش في الأوساط الأكاديمية والمالية بلقب “الصقر”.

فخلال فترة عمله السابقة في مجلس المحافظين، كان من أشد المنتقدين للسياسات النقدية التوسعية المفرطة، وطالب مراراً بتقليص ميزانية الفيدرالي المتضخمة وتقليل التدخل الحكومي في الأسواق.

ومع ذلك، فإن هذا التصنيف التقليدي بدأ يتلاشى في الآونة الأخيرة. التقارير المقربة من دوائر صنع القرار تشير إلى “تحول براجماتي” في فكر وارش، مما جعله أقرب إلى رؤية ترامب الاقتصادية.

ويبدو أن وارش يتبنى اليوم صيغة هجينة، تشدد في إدارة ميزانية البنك المركزي، مقابل مرونة وانفتاح على خفض أسعار الفائدة إذا ما أظهرت أرقام التضخم استقراراً ملموساً.

وهذا التحول يثير ريبة التقليديين الذين يخشون أن يكون التقارب مع ترامب ثمناً للوصول إلى المنصب.

بورصة الآراء.. تفاؤل حذر وتشكيك عميق

وتباينت ردود فعل الخبراء الاقتصاديين حول هذا الترشيح بشكل حاد، مما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق

المتفائلون بالكفاءة:

يرى جانب من المحللين أن تركيز وارش على “كفاءة البنوك” وتقليص الميزانية العمومية قد يعيد للفيدرالي دوره التقليدي كمنظم للسيولة وليس كمحرك وحيد للاقتصاد، مما قد يحفز النمو المستدام بعيداً عن فقاعات الأصول.

المتوجسون من تكلفة الاقتراض:

يحذر استراتيجيون من أن سعي وارش لتقليص الميزانية قد يؤدي “عن غير قصد” إلى رفع تكاليف الاقتراض طويل الأجل، وهو ما يتناقض تماماً مع رغبة ترامب في “نقود رخيصة”.

المدافعون عن الاستقلالية:

يرى فريق ثالث أن وارش سيواجه اختباراً عسيراً لمصداقيته؛ فإذا انصاع لضغوط البيت الأبيض بسرعة، فقد يفقد ثقة الأسواق العالمية، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وضعف الدولار.

زلزال في الأسواق: ردود فعل فورية ورسائل مشفرة

ولم يتأخر رد فعل الأسواق على إعلان ترامب؛ حيث سجلت الأسهم الأمريكية تراجعاً ملحوظاً فور تداول اسم وارش كمرشح مفضل.

وهذا التراجع يعكس قلق المستثمرين من “المجهول” ومن احتمالية نشوب صراع إرادات بين الرئيس الجديد للفيدرالي وبقية أعضاء اللجنة.من جانبه، واصل الرئيس ترامب ضغوطه العلنية، مصرحاً بأن “قرارات رئيس الفيدرالي الحالي تكلف الولايات المتحدة مئات المليارات سنوياً”، وهي رسالة واضحة لوارش بأن المطلوب منه هو “ثورة نقود” وليس مجرد استمرار للوضع الراهن.

والخلاصة أن البيانات هي الحاكم بأمرهفي نهاية المطاف، يبقى رهان ترامب على كيفين وارش رهاناً على “تغيير الوجوه” في مؤسسة تحكمها “الأرقام”.

ورغم الرغبة السياسية الجامحة في خفض الفائدة، ستظل العوامل الحاكمة هي:توازن القوى داخل لجنة السوق المفتوحة.منحنى بيانات التضخم والبطالة.قدرة الفيدرالي على الحفاظ على مصداقيته أمام المستثمرين الدوليين.

إن تعيين وارش قد ينجح في “هز الشجرة”، لكنه لن يضمن بالضرورة تساقط ثمار الفائدة المنخفضة بالسرعة التي يتمناها البيت الأبيض.

فالأسواق تراقب بقلق، وأي بوادر لتدخل سياسي فج في السياسة النقدية قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، مما يجعل مهمة وارش القادمة بمثابة “المشي على حبل مشدود” بين طموحات الرئاسة وواقعية الاقتصاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى