تقارير وتحليلات

بغداد بين مطحنة الفوضى وذاكرة الحديد.. لماذا يرتدي العراق عباءة صدام حسين بعد عقدين من السقوط؟

في قلب العاصمة بغداد، حيث تتقاطع خيوط التاريخ العتيق مع مرارة الحاضر المثقل بالأزمات، لم يعد الصمت هو سيد الموقف حين يُذكر اسم صدام حسين.

في المقاهي الشعبية التي يلفها دخان “النراجيل”، وفي أروقة الجامعات التي تعج بجيل “ما بعد السقوط”، وصولاً إلى فضاءات “تيك توك” الافتراضية، تتبلور ظاهرة سوسيولوجية تتجاوز مجرد الحنّين العاطفي؛ إنها صرخة احتجاج سياسي صارخ ضد واقع يراه الكثيرون مشتتاً، ممزقاً، وفاقداً للبوصلة.

يعيش المشهد العراقي اليوم حالة من “الانفصام التاريخي” الحاد. فبينما تحرص النخبة السياسية على الاحتفال السنوي بـ “العراق الديمقراطي”، يرتد الشارع في لحظات اليأس إلى استحضار صورة “الدولة المركزية الصلبة” التي كانت تمسك بتلابيب الأمور بقبضة حديدية، حتى وإن كانت مخضبة بالدماء.

هذا الحنين لم يعد حكراً على كبار السن، بل انتقل كعدوى سياسية إلى شباب لم يولدوا إلا بعد عام 2003، ليس حباً في السجون أو المقابر الجماعية، بل هروباً من تغول الميليشيات، وانفلات الغلاء، وفوضى الفساد التي جعلت من بغداد ساحة مفتوحة لتصفيات الحسابات الدولية والإقليمية.

 

فلسفة “الهيبة” المفقودة.. هل “المستبد المستقر” أفضل من “الفوضى الهشة”؟

لفهم سر هذا التحول، يجب تفكيك مفهوم “الدولة” في العقل الجمعي العراقي. في عهد صدام حسين، كانت الدولة تمثل “وحدة عضوية” صلبة؛ لم يكن هناك مكان لـ “دولة موازية” أو قوى خارج إطار القانون. كان الأمن مفهوماً عمودياً يبدأ من قمة الهرم وينتهي عند أصغر شرطي في أبعد قرية.

اليوم، يعيش المواطن في ظل ما يمكن تسميته بـ “تعددية الرعب”. تشير التقارير الميدانية والاستخباراتية إلى وجود أكثر من 75 فصيلاً مسلحاً، يمتلك بعضها طائرات مسيرة وصواريخ باليستية، وتتحكم في مفاصل اقتصادية تتجاوز سلطة القائد العام للقوات المسلحة.

المقارنة الشعبية باتت بسيطة ومريرة: “عدو واحد تعرفه، أفضل من ألف عدو مجهول”. في الماضي، كان العقد غير المكتوب يقول: “ابتعد عن السياسة لتعيش آمناً”. أما اليوم، فحتى لو اعتزلت السياسة، قد تدركك نيران الصراعات الطائفية أو رصاص الميليشيات في نزاع على “عقد تجاري” أو “قطعة أرض”.

 

السيادة المستباحة: من “رابع أقوى جيش” إلى “صفقات السلاح الخردة”

لا يكتمل الحديث عن هذا الحنين دون التطرق لمكانة المؤسسة العسكرية. بنى صدام جيشاً صُنّف عالمياً كأحد أقوى الجيوش عدداً وخبرة، وبالرغم من زجّه في حروب كارثية، إلا أن “البدلة العسكرية” كانت تحتفظ بهيبة السيادة.

في المقابل، يرى العراقيون اليوم جيشهم يعاني من تداخل الصلاحيات مع “قوات الحشد” وفصائل ذات ولاءات عابرة للحدود.

السيادة التي كانت “مقدسة” بالمعنى القومي، يراها الشارع اليوم مستباحة؛ حيث تحولت البلاد إلى ساحة للعمليات التركية شمالاً، والضربات الإيرانية شرقاً، والتواجد الأمريكي المستمر، في ظل قيادات يُنظر إليها غالباً كـ “منفذين” لإملاءات الخارج.

وتبرز قضايا الفساد في التسلح كملح على الجرح؛ فبينما كانت “هيئة التصنيع العسكري” تصون الطائرات بخبرات محلية رغم الحصار، تحولت صفقات السلاح الحالية إلى “ثقوب سوداء”.

صفقة السلاح الروسية عام 2012، التي بلغت قيمتها 4.2 مليار دولار، تظل شاهدة على فساد التهم المليارات دون أن تصل الكفاءة المطلوبة، مما جعل الجيش يظهر بمظهر “العملاق الورقي” لحظة سقوط الموصل عام 2014.

 

اقتصاد المليارات الضائعة: وفرة النفط يقابلها “رعب الفقر”

بلغة الأرقام، العراق اليوم أغنى بكثير مما كان عليه؛ إنتاج النفط قفز إلى 4.5 مليون برميل يومياً، والميزانيات تجاوزت حاجز الـ 100 مليار دولار. لكنها “وفرة بلا بركة”؛ حيث يعيش نحو 30% من الشعب تحت خط الفقر.

يتذكر العراقيون “البطاقة التموينية” التي استنبطها النظام السابق عام 1990 لمواجهة الحصار؛ تلك البطاقة التي منعت المجاعة بانتظامها الشديد. اليوم، ومع غياب الحصار وتدفق أموال النفط، يعاني المواطن من غلاء معيشي مرعب وفساد يلتهم الحصص التموينية.

الفساد لم يعد انحرافاً فردياً، بل أصبح “ممنهجاً” تحميه كتل سياسية، مما جعل المواطن يحن لزمن كان فيه السارق يخشى الإعدام، بينما السارق اليوم هو من يشرّع القانون.

 

تفكيك الهوية: صهر المكونات مقابل “سرطان” المحاصصة

نجح صدام عبر القبضة الحديدية في فرض هوية وطنية موحدة، مانعاً الهويات الفرعية من البروز فوق الهوية العراقية. بعد 2003، تحول التنوع إلى “نقمة” عبر نظام “المحاصصة” الذي أسسه بول بريمر، مما حول الوزارات إلى “إقطاعيات” حزبية ومذهبية.

هذا التفكك يفسر لماذا نجد اليوم “تندراً شعبياً” حتى في المحافظات الجنوبية التي كانت الأكثر تضرراً من قمع النظام السابق. شباب البصرة والناصرية في تظاهرات 2019 رفعوا شعارات تطالب بـ “وطن”، وهو المفهوم الذي يرون أنه تلاشى لصالح “إمارات” تابعة للأحزاب والعشائر.

 

خلاصة التحليل: رد فعل دفاعي ضد ضياع الوطن

تؤكد قراءات “الذكاء الاصطناعي” والتحليلات السياسية أن هذا الحنين هو “رد فعل دفاعي” ضد ضياع الهوية الوطنية. الناس لا يحنون للظلم بحد ذاته، بل يحنون لـ:

الأمان المتوقع: معرفة حدود المسموح والممنوع.

السيادة المحسوسة: وجود دولة بقرار واحد وجيش مهني.

هيبة المؤسسات: نظام صحي وتعليمي كان رائداً في المنطقة قبل سنوات الحصار.

إن عودة وجوه قديمة مثل نوري المالكي إلى واجهة القرار، رغم ارتباط اسمه بانتكاسات كبرى كسقوط الموصل، تعزز القناعة الشعبية بأن “الديمقراطية المستوردة” ليست إلا وسيلة لتدوير الفشل.

تظل صور صدام حسين في المظاهرات رسالة نكاية سياسية لا تخطئها العين: “إذا كان هؤلاء هم البدلاء، فقد كان المستبد أرحم بالدولة من الفوضويين”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى