تقارير وتحليلات

حرب غزة تفرض خسائر غير مسبوقة على تل أبيب.. انهيار اقتصادي وعسكري.. أزمات اجتماعية ونفسية.. وموجات هجرة تهدد مستقبل المدينة

** تل أبيب تحتاج إلى 1300 أخصائي اجتماعي إضافي للتعامل مع تداعيات الحرب

 

** رفض شعبى واهتزاز لصورة كيان الاحتلال

 

** تل أبيب دفعت ثمن العدوان بــ132 ألف جندي في إعادة التأهيل

 

** الاحتلال مثقل بالخسائر السياسية والاقتصادية ومحاصر بالرفض الشعبي

 

** إسبانيا تفرض حظرا كاملا على استيراد بضائع مستوطنات الاحتلال

 

 

 

 

 

لم تعد حرب إسرائيل على غزة مجرد مواجهة عسكرية ذات أبعاد أمنية، بل تحولت مع مرور الوقت إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل تتكشف تداعياته يوما بعد آخر على المستويين الإقليمي والدولي، فمع اتساع رقعة العمليات العسكرية واستمرارها لفترة طويلة، بدأت إسرائيل تدفع ثمنا متصاعدا يتجاوز كلفة السلاح والعمليات الميدانية، ليطال مكانتها السياسية، وشبكة علاقاتها الدولية، واستقرارها الاقتصادي، وصورتها أمام الرأي العام العالمي، هذه الخسائر لم تعد محصورة في نطاق الانتقادات الدبلوماسية أو الإدانات الحقوقية، بل ترجمت عمليا إلى قرارات وإجراءات اتخذتها دول غربية كانت تعد تقليديا من أقرب حلفاء تل أبيب، ما يعكس تحولا لافتا في مستوى التعاطي الدولي مع الحرب وتداعياتها.

 

سياسيا، وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة موجة غير مسبوقة من العزلة والضغط، حيث تزايدت الدعوات داخل برلمانات وحكومات غربية لمراجعة طبيعة الدعم السياسي والعسكري المقدم لها، في ظل تصاعد الاتهامات بانتهاك القانون الدولي الإنساني وارتكاب جرائم بحق المدنيين، هذا المناخ السياسي المشحون أسهم في إضعاف قدرة إسرائيل على تسويق روايتها التقليدية، وقلص هامش المناورة الدبلوماسية الذي لطالما اعتمدت عليه في إدارة أزماتها، كما ألقى بظلال ثقيلة على علاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف، وفتح الباب أمام مسارات قانونية وسياسية باتت تشكل مصدر قلق حقيقي لصناع القرار في تل أبيب.

 

اقتصاديا، بدأت كلفة الحرب تتجسد بوضوح في مؤشرات التجارة والاستثمار، مع إعلان عدد من الدول الغربية فرض قيود أو تعليق جزئي على تصدير بعض السلع والتقنيات إلى إسرائيل، أو الحد من استيراد منتجات إسرائيلية، سواء بدوافع قانونية أو تحت ضغط الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني، وهذه القرارات، وإن بدت في ظاهرها محدودة، إلا أنها تحمل دلالات عميقة على تآكل الثقة بالاقتصاد الإسرائيلي، وتهديد سلاسل التوريد، وتأثر قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة، والصناعات العسكرية، والزراعة، فضلا عن انعكاساتها السلبية على تدفقات الاستثمار الأجنبي وسمعة إسرائيل كمركز اقتصادي آمن ومستقر.

 

في المحصلة، تكشف هذه التطورات أن حرب غزة لم تفرض على إسرائيل استنزافا عسكريا فحسب، بل أدخلتها في دائرة خسائر مركبة يصعب احتواؤها سريعا، حيث يتقاطع السياسي مع الاقتصادي، وتتداخل الاعتبارات الأخلاقية مع الحسابات الاستراتيجية، ومع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الدولية، تبدو إسرائيل أمام اختبار بالغ التعقيد، قد يعيد رسم موقعها في النظام الدولي، ويضع نموذجها الاقتصادي والسياسي أمام تحديات غير مسبوقة، تتجاوز حدود ساحة المعركة إلى عمق علاقاتها ومصالحها العالمية.

 

أرقام خرجت في 7 يناير، تكشف دفع تل أبيب ثمن حرب غزة، عندما أكدت دراسة لمركز “تاوب” للسياسات الاجتماعية، ارتفاع عدد الجنود المستفيدين من خدمات إعادة التأهيل إلى أكثر من 132 ألف جندي، بزيادة 16 ألفا منذ بدء العدوان على القطاع، حيث تواجه وزارة الرفاهية الإسرائيلية أزمة متصاعدة رغم ميزانية 400 مليار شيكل لعام 2024، بزيادة 38 مليارا عن العام السابق وتحتاج إلى 1300 أخصائي اجتماعي إضافي للتعامل مع تداعيات الحرب، فيما قفزت نفقات الضمان الاجتماعي إلى 26 مليار شيكل في 2024، مقارنة بـ1.7 مليار قبل الحرب، بسبب مخصصات جنود الاحتياط، بالإضافة إلى ارتفاع عدد المصنفين كضحايا “أعمال معادية” إلى 32 ألف مصاب جسديا ونفسيا بعد أن كانوا 5 آلاف فقط قبل الحرب.

 

 

 

 

 

في ذات اليوم، ذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية، أن مؤشر Nature Index لعام 2025 كشف عن تراجع غير مسبوق لمعهد وايزمان للعلوم بخروجه لأول مرة من قائمة أفضل 100 مؤسسة أكاديمية عالميا، وحل المعهد في المرتبة 111 أكاديميا و122 عالميا بعد أن كان ضمن المراتب المتقدمة في السنوات الماضية.

 

وربطت الصحيفة التراجع بتداعيات 7 أكتوبر 2023، والتصعيد العسكري، والهجمات الصاروخية الإيرانية، إضافة إلى تصاعد المقاطعة الأكاديمية الدولية لإسرائيل بسبب الحرب على غزة، كما أن هناك أضرار مباشرة لحقت بالبنية التحتية البحثية في حرم المعهد برحوفوت، حيث تعطل نحو ربع النشاط البحثي بعد خروج عشرات المختبرات والمباني من الخدمة، والتراجع شمل جامعات إسرائيلية كبرى أخرى، بينها الجامعة العبرية والتخنيون وجامعة بن جوريون، وكشف مراقبون أن سبب الأزمة انخفاض الإنتاج العلمي، وتعطل الأبحاث، وهجرة الكفاءات، والعزلة الأكاديمية المتزايدة.

 

 

 

 

انتحارات وخسائر بالقوات

 

قبلها وبالتحديد في 13 ديسمبر الماضي، سلطت ذات الصحيفة الضوء على تضرر فئات ومطالبات التعويض المباشر داخل تل أبيب منذ بداية الحرب، حيث إن هناك 529 مطالبة عن أضرار للبنى التحتية والخدمات، ودُفع 361.3 مليون شيكل، و89,128 مطالبة عن أضرار للمباني، البيوت والشقق، بمبلغ تعويضات ضخم بلغ 4.140 مليار شيكل، و30,354 مطالبة عن أضرار للمركبات، ودُفع 518.3 مليون شيكل، و9,661 مطالبة عن معدات ومحتويات، خاصة في المتاجر والمكاتب، ودُفع 374.4 مليون شيكل، و1,369 مطالبة من مزارعين عن أضرار في الأراضي الزراعية والحيوانات في الحظائر والدواجن، ودُفع 61.2 مليون شيكل، و242 مطالبة عن أضرار في المخزون بالمتاجر والمصانع، ودفع 81.5 مليون شيكل، و8 مطالبات في موضوعات أخرى، وقيمة التعويضات 31 مليون شيكل.

 

 

 

 

 

أما فيما يخص أضرار الحرب مع إيران خلال 12 يوما فقط دفعت ضريبة الأملاك 2.6 مليار شيكل مقابل 56,766 مطالبة وهو عدد غير مسبوق لحدث أمني لم يستغرق أسبوعين، وكان هناك 43,820 مطالبة عن أضرار للمباني والبيوت، و5,917 مطالبة عن أضرار للمركبات، و6,046 مطالبة عن أضرار للمحتويات.

 

 

وذكر إعلام عبري في 5 ديسمبر، أنه منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، انتحر 7 جنود في الخدمة الفعلية، وفي عام 2024 انتحر 21 جنديا، وانتحر ما لا يقل عن 20 جنديا في الخدمة الفعلية في 2025، كما أقدم ما لا يقل عن 15 جندياً مسرحين ومن خارج الخدمة الفعلية على الانتحار منذ بدء الحرب، وانتحر ما لا يقل عن 5 عناصر وضباط شرطة بسبب الحرب.

 

وأبرز القناة 12 العبرية في 13 نوفمبر، أزمة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، تحت عنوان “العمود الفقري المستقبلي للجيش في خطر”، موضحة أن الجيش يواجه إحدى أخطر الأزمات التي عرفها في السنوات الأخيرة، حيث آلاف من أفراد الخدمة الدائمة يطلبون تقديم موعد تسريحهم، ولا يرغبون بالاستمرار في الخدمة، وهناك حديث عن ظاهرة واسعة تمتد إلى جميع صفوف القوات في تل أبيب، وتقف خلف هذه الظاهرة مجموعة من العوامل المتراكبة، منها الإرهاق الناتج عن الحرب والظروف التي يعمل تحتها الجنود، والضرر الناتج عن نزع الشرعية والتصريحات الصادرة عن سياسيين.

 

 

 

من ينظر إلى الأرقام من الخارج سيجد صعوبة في فهم عمق الظاهرة، لكن الحديث يدور داخل إسرائيل عن ضرر يمس العمود الفقري للجيش في السنوات القادمة، وفي 2 نوفمبر أعلنت صحيفة هآرتس، انتحار ضابط رفيع يعد من أقدم مشغلي المسيّرات في الجيش الإسرائيلي، حيث قال قبل أسابيع من وفاته: “هذه الحرب يجب أن تنتهي، فلها تبعات لا نفهمها بعد”، فيما تمنع الرقابة العسكرية نشر اسمه رغم مرور أشهر على الحادثة، فيما كشفت هيئة البث الإسرائيلية في 28 أكتوبر- أي بعد أسابيع قليلة من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة – توثيق 279 محاولة انتحار في صفوف الجيش خلال عام ونصف فقط.

 

وكشفت إحصائيات إسرائيلية في 23 نوفمبر، تكلفة الإصابات النفسية جراء حرب غزة والتى قد تصل إلى 500 مليار شيكل خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث أكدت جمعية “نتال” في تقرير لها أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة للإصابات النفسية ارتفاع نسبة من يعانون من أعراض ما بعد الصدمة إلى 29.8%، وهناك نحو 625 ألف شخص معرضون بدرجة عالية لفقدان وظائفهم.

 

 

وفي 7 يناير، خرج اللواء احتياط يتسحاق بريك، قائد سرية احتياطية، عبر وسائل إعلام عبرية ليؤكد أن التقييم الصحيح للإخفاقات والإنجازات سيكشف صورة من الهبوط والانحدار، وهذا بالضبط هو الفخ الذي توجد فيه الآن قيادات الدولة والجيش الإسرائيلي، مشيرا إلى أن غياب رؤية استراتيجية واسعة يمنع هذه القيادة من رؤية تراكم نقاط الحضيض السلبية، وعندما نربط كل النقاط فإن النتيجة واضحة التوجه الشامل هو تدهور مستمر في أمن الدولة.

 

وأضاف أن الاتجاه السلبي النابع من تطورات اختارت القيادات السياسية والأمنية قمعها، يفوق المكاسب العملياتية المؤقتة، لافتا إلى أن الجمهور تعود على رؤية تصفية قادة أو تدمير بنى تحتية نهاية القصة، لكن الحديث لا يدور إلا عن تعديلات مؤقتة فقط في الرسم البياني للانحدار.

 

وذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت، في 10 نوفمبر، احتياج تل أبيب لـ 12 ألف جندي للجيش، من بينهم حوالي 6000-7000 للوحدات القتالية، فيما أكدت صحيفة هآرتس قبلها بأربعة أيام، أن إسرائيل تضخ ملايين الدولارات لتحسين صورتها في الولايات المتحدة، بعد تراجع التأييد الشعبي لها داخل أوساط اليمين المحافظ.

 

 

 

 

 

منع استيراد أو تصدير لإسرائيل وانهيار تل أبيب

 

وأحدثت قرارات عدد من الدول الغربية بتقييد أو منع تصدير بعض السلع والتقنيات إلى إسرائيل، أو الحد من استيراد منتجاتها، صدمة واضحة داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب، لما تحمله هذه الخطوات من آثار مباشرة وغير مباشرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، فإسرائيل، التي اعتمدت لسنوات طويلة على انفتاح الأسواق الغربية ودعمها، وجدت نفسها أمام واقع جديد يهدد أحد أهم مرتكزات قوتها، والمتمثل في الاندماج العميق بالاقتصاد العالمي وشبكة التحالفات الغربية.

 

اقتصاديا، تمثل هذه القرارات ضغطا متزايدا على قطاعات حيوية في الاقتصاد الإسرائيلي، وعلى رأسها الصناعات التكنولوجية المتقدمة والصناعات العسكرية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد مكونات حساسة وتصدير منتجات عالية القيمة إلى الأسواق الغربية، وأي قيود على التصدير أو الاستيراد تعني اضطرابا في سلاسل الإمداد، وارتفاعا في تكاليف الإنتاج، وتأخيرا في تنفيذ العقود، ما ينعكس سلبا على تنافسية الشركات الإسرائيلية وقدرتها على الحفاظ على حصصها في الأسواق الدولية، كما تؤثر هذه الإجراءات على قطاعات أخرى مثل الزراعة والصناعات الغذائية، التي تعتمد على التصدير للأسواق الأوروبية والأمريكية، ما يفاقم خسائر المنتجين ويزيد الضغوط على الميزان التجاري.

 

عدد الصواريخ التى أطلقت على إسرائيل

عدد الصواريخ التى أطلقت على إسرائيل

 

 

وعلى مستوى الاستثمار، تبعث هذه القرارات برسائل سلبية إلى المستثمرين الدوليين بشأن استقرار بيئة الأعمال في إسرائيل، حيث ترتفع مخاطر الاستثمار في ظل احتمالات توسع القيود التجارية أو تحولها إلى عقوبات أشمل، وهذا المناخ يدفع بعض الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم وجودها أو خططها التوسعية داخل السوق الإسرائيلية، ويحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تعد عنصرا أساسيا في دعم النمو الاقتصادي وقطاع الابتكار.

 

سياسيا، تكشف هذه الخطوات عن تآكل غير مسبوق في الغطاء السياسي الذي تمتعت به إسرائيل داخل العواصم الغربية، وتعكس تصاعد الضغوط الداخلية في تلك الدول بفعل الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان، وهذا التحول يضعف قدرة تل أبيب على التأثير في مواقف حلفائها التقليديين، ويقلص هامش الدعم الدبلوماسي لها في المحافل الدولية، ما قد يفتح الباب أمام قرارات أو إجراءات إضافية أكثر صرامة في المستقبل.

 

كذلك استراتيجيا، تحمل هذه القيود التجارية بعداً يتجاوز الخسائر الآنية، إذ تمس صورة إسرائيل كحليف موثوق وشريك اقتصادي مستقر، وتدفعها إلى البحث عن بدائل وأسواق جديدة قد تكون أقل ربحية أو أكثر تعقيدا سياسيا، وفي ظل استمرار الحرب على غزة وتزايد الانتقادات الدولية، تبدو تل أبيب أمام معادلة صعبة، حيث تتحول القرارات التجارية الغربية من مجرد أدوات ضغط رمزية إلى عوامل مؤثرة في حساباتها السياسية والاقتصادية طويلة الأمد.

 

وفرضت إسبانيا، مع بداية العام الجديد، وبالتحديد 5 يناير، حظرا كاملا على استيراد بضائع مستوطنات الاحتلال، ليشمل منتجات مستوطنات الضفة الغربية والقدس المحتلة وهضبة الجولان. وبذلك أصبحت ثاني دولة أوروبية تطبق هذا الحظر بعد سلوفينيا، التي بدأت المقاطعة في أغسطس الماضي، في خطوة تعكس توجه الحكومة الإسبانية اليسارية الرافضة لسياسات الاستيطان والإبادة الإسرائيلية في غزة.

 

 

وفي نفس اليوم خرجت صحيفة “هآرتس”، لتنشر تقارير رسمية تحذر من أزمة غير مسبوقة تضرب البحث العلمي في إسرائيل، وصلت إلى حافة الانهيار بسبب حرب الإبادة على غزة، وكانت الأسباب هو تصاعد المقاطعة الأكاديمية الدولية، تراجع الدعم الحكومي، توقف المنح البحثية الخارجية، وتسارع هجرة العقول إلى الخارج.

 

ونشرت الصحيفة العبرية حينها، تقرير الأكاديمية الوطنية للعلوم يكشف انخفاض استثمارات البحث والتطوير بنسبة 4% بين 2014–2023، مقابل ارتفاعها 20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما أكد رئيس الأكاديمية ديفيد هاريل أن تل أبيب باتت دولة منبوذة أكاديميا على المستوى الدولي، موضحا أن الحرب والمقاطعة أدتا لحرمان الباحثين من برامج تمويل كبرى مثل “هوريزون أوروبا”، وإلغاء مؤتمرات علمية وتقليص مشاركة الأكاديميين الإسرائيليين عالميا.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن الأزمة تضرب خصوصا العلوم الإنسانية والاجتماعية، مع تراجع فرص التعاون الدولي وتزايد الضغوط النفسية والمهنية على الباحثين الشباب، في ظل تراجع ملحوظ في عدد الأبحاث المنشورة دوليا، مقابل تسارع نزيف الكفاءات وصعوبة استقطاب باحثين جدد، محذرة من عواقب بعيدة المدى إذا لم يتخذ تدخل عاجل، وبات مستقبل البحث العلمي ومكانة إسرائيل الدولية على المحك.

 

وقبل نهاية العام، وفي 30 ديسمبر، فرضت وزارة الاستهلاك الإسبانية، على منصات إعلانية سحب الإعلانات التي تروج لأماكن للإيجار لإقامة السياح في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث حُدد 138 إعلانا عن أماكن إقامة سياحية على سبع منصات تقدم هذه الخدمات في إسبانيا.

 

ووجهت الوزارة خلال بيان لها حينها، تحذير أول لهذه الشركات المتعددة الجنسيات، لإبلاغها بالعثور على محتوى غير قانوني على منصاتها، يتعلق بإعلانات تجارية حول أماكن إقامة تقع في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل، وطلب منها سحبها، أو حظرها فورا، محذرة من عدم الالتزام بالقرار تحت طائلة التعرض لإجراءات لاحقة.

 

رفض شعوب العالم للاحتلال وملاحقة جنوده خارجيا

 

في السنوات الأخيرة، لم يعد الموقف الأوروبي من الاحتلال حبيس أروقة الحكومات أو رهين الحسابات الدبلوماسية الباردة، بل خرج إلى الشوارع والساحات العامة، متجسدًا في صوت شعبي متصاعد يرفض الظلم ويستنكر سياسات القهر والعدوان، حيث شهدت العواصم الأوروبية، من لندن وباريس إلى مدريد وبرلين، موجات متتالية من الاحتجاجات والمسيرات الحاشدة التي عبرت بوضوح عن وعي إنساني متقدم، يرى في ممارسات إسرائيل انتهاكا صارخا للقيم التي طالما تغنت بها أوروبا، قيم الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

 

هذا الرفض الشعبي لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة تراكم طويل من الصور الصادمة، والتقارير الحقوقية الموثقة، وشهادات الضحايا التي اخترقت جدار الصمت الإعلامي، وأعادت صياغة الوعي الجمعي الأوروبي تجاه حقيقة ما يجري تحت وطأة الاحتلال، ومع اتساع رقعة المعرفة، تراجع تأثير الخطاب الرسمي المنحاز، وبدأت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي في مساءلة حكوماتها عن ازدواجية المعايير، وعن استمرار دعم سياسات تتناقض جوهريًا مع مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي.

 

ولعل اللافت في هذا الحراك الشعبي أنه تجاوز الانتماءات السياسية والأيديولوجية الضيقة، ليجمع تحت رايته طلابا وأكاديميين ونقابيين وفنانين ونشطاء حقوقيين، توحدهم قناعة أخلاقية راسخة بأن الاحتلال، أيا كان شكله أو مبرراته، لا يمكن تبريره أو التغاضي عنه، وتحولت الجامعات الأوروبية إلى منصات للنقاش والاحتجاج، وارتفعت الأصوات المطالِبة بفرض عقوبات، ووقف التعاون العسكري والاقتصادي مع قوى الاحتلال، في تعبير واضح عن انتقال الرفض من مستوى التعاطف العاطفي إلى مستوى الفعل السياسي والضغط الشعبي المنظم.

 

رفض الشعوب الأوروبية للاحتلال يعكس تحولا عميقًا في ميزان الوعي العالمي، حيث باتت العدالة قضية عابرة للحدود، ولم يعد من الممكن تسويق الظلم تحت أي غطاء أمني أو سياسي، وهو رفض لا يستهدف دولة بعينها بقدر ما يواجه منظومة فكرية تقوم على إنكار حقوق الآخرين، ويؤكد أن الشعوب، مهما تباعدت جغرافيا، قادرة على الالتقاء حول قيم إنسانية مشتركة، تضع الكرامة البشرية فوق كل اعتبار، وتعلن بوضوح أن زمن الصمت على إسرائيل يقترب من نهايته.

 

ونظم نشطاء في 5 يناير، وقفات احتجاجية أمام متاجر “تيسكو” في بريطانيا وأيرلندا تضامنا مع عامل تم وقفه عن العمل بعد رفضه التعامل مع المنتجات الإسرائيلية، حيث طالبت حملة “النزول على تيسكو” بإعادته إلى وظيفته وإسقاط الإجراءات التأديبية بحقه، إلى جانب وقف بيع المنتجات الإسرائيلية، داعية الجمهور للمشاركة في الاحتجاجات والحملات الأسبوعية للضغط على المتجر.

 

وفي ذات اليوم، هتفت جماهير فرقة “نيكاب” الأيرلندية لفلسطين خلال حفل موسيقي أحيته الفرقة في طوكيو، حيث ردد الحضور هتافات داعمة للشعب الفلسطيني، من بينها “فلسطين حرة حرة”، في مشهد يعكس اتساع رقعة التضامن العالمي واستمرار الحراك الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية حول العالم.

 

كما شهدت مدن أمستردام وجوتنبرج وعدد من المدن البلجيكية والأيرلندية ومانشستر مظاهرات تضامنية واسعة، رفع خلالها المشاركون شعارات تندد بالعدوان والانتهاكات بحق الشعبين الفلسطيني والفنزويلي، مطالبين بوقف التدخلات الخارجية ومحاسبة المسؤولين عنها، ومؤكدين استمرار الحراك الشعبي العالمي دعمًا للحقوق والعدالة.

 

وشهد اليوم ذاته تقدم مؤسسة هند رجب شكوى جنائية في جمهورية التشيك ضد جندي إسرائيلي يدعى “هداي مونسونيجو”، متهمة إياه بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، وتتضمن الأدلة المرفقة توثيقاً لمشاركة الجندي في تدمير المنشآت المدنية مثل جامعة الأزهر وحصار مجمع الشفاء الطبي.

 

وفي 18 يناير، أعلنت المؤسسة ذاتها إبلاغ السلطات الكندية بمخاوف جدية بشأن دخول الجندي الإسرائيلي السابق جاي هوشمان إلى البلاد، مشيرة إلى أنها تقدمت بشكوى جنائية، استنادا على أنشطة وتصريحات علنية مرتبطة بالدعاية العسكرية والتحريض على الحرب في غزة، ومشاركة هذا الجندي علنا في منع شاحنات المساعدات الإنسانية المتجهة للقطاع، واعتبرها أسلحة للأعداء، وشجع الآخرين على عرقلة وصولها.

 

وذكر موقع والا العبري في 25 ديسمبر، إن إسرائيل للمرة الثانية على التوالي، في ذيل المؤشر للدول المرموقة بالعالم، مسجلة انخفاضا غير مسبوق بنسبة 6.1%، ويعود ذلك أساسا إلى المشاعر السلبية تجاه الشعب الإسرائيلي والصورة السلبية السائدة بين شباب العالم.

 

بينما في 28 أكتوبر، أعلنت ماليزيا والبرازيل تأييدهما لجنوب أفريقيا في الدعوى التي رفعتها أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، والمتعلقة بارتكاب دولة الاحتلال جريمة إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غـزة، حيث تزامن هذا الموقف في إطار اتساع دائرة الدول التي تعلن تأييدها للمسار القانوني الذي تتبعه جوهانسبرج، بهدف محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وجاء الإعلان ضمن بيان مشترك أصدره رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، والرئيس الجنوب أفريقي ماتاميلا سيريل رامافوزا، خلال الزيارة الرسمية التي أجراها الأخير حينها إلى كوالالمبور، بالتزامن مع انعقاد القمة السابعة والأربعين لرابطة دول جنوب شرق آسيا “الآسيان”.

 

تنامي الرفض الدولي للاحتلال

 

ويؤكد الدكتور جهاد أبو لحية، أستاذ القانون الدولى والعلوم السياسية الفلسطيني، أن تنامي الرفض الدولي للاحتلال يعكس حقيقة أن الجرائم الدولية الكبرى لم تعد محمية بجدار الحصانة السياسية أو التواطؤ الدبلوماسي، خاصة أن الإرادة العالمية تتجه نحو تفعيل آليات المحاسبة، بحق كل من تورط أو دعم أو برر هذه الجرائم سواء قادة أو جنود، وملاحقة جنود الاحتلال في بعض الدول رسالة سياسية واضحة بأن الإفلات من العقاب لم يعد أمرا مضمونا، وذاكرة الشعوب صارت جزءا من معادلة العدالة الدولية.

 

ويضيف في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، أن إسرائيل تواجه تحديات كبيرة في العديد من القطاعات، حيث آثار الحرب على غزة تسبب في خسائر عديدة لإسرائيل في العديد من المجالات الاقتصادية، والسياسية، والمجتمعية، وهو ما جعل تل أبيب تتعرض لهزات استراتيجية غير مسبوقة، وتجسدت في اختراقات أمنية كبيرة أظهرت نقاط ضعف في منظومتها الدفاعية، مما قوض صورة الردع التقليدية التي اعتمدت عليها لعقود، كما تكبد جيشها خسائر بشرية ومادية كبيرة.

 

ويوضح أن التوثيق المستمر للجرائم الإسرائيلية كان سببا كبيرا في كشف عمليات قتل ممنهج للمدنيين، وفرض حصار وتدمير شامل للبنية التحتية المدنية، وممارسة تجويع جماعي يرقى إلى استخدام الجوع كسلاح حرب، وهو ما يعد انتهاكا صارخا لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977.

 

موجات الهجرة من إسرائيلية

 

لم تعد تل أبيب، التي طالما قدمت باعتبارها مدينة الاستقرار والفرص والأمان، بمنأى عن تداعيات الحرب المتواصلة، إذ بدأت ملامح التحول الديموجرافي والنفسي تظهر بوضوح في شوارعها ومؤسساتها وأسواقها، فبسبب الحرب واتساع دائرة الخطر، تحولت الهجرة من تل أبيب من ظاهرة هامشية إلى مؤشر بالغ الدلالة على عمق الأزمة الداخلية، حيث اختار عشرات الآلاف من الإسرائيليين مغادرة البلاد بحثا عن الأمان والاستقرار في الخارج، تاركين خلفهم فراغا بشريا واقتصاديا يصعب تجاهله.

 

هذا النزيف البشري لم يكن مجرد حركة سفر مؤقتة، بل حمل في طياته آثارا مباشرة على تل أبيب باعتبارها القلب الاقتصادي والمالي والتكنولوجي لإسرائيل، فقد تراجع الإقبال على الاستثمار، وتباطأت حركة الشركات الناشئة، وبدأت قطاعات حيوية تشكو من نقص الكفاءات، في وقت تشهد فيه المدينة حالة غير مسبوقة من القلق الجماعي وانعدام اليقين بالمستقبل، ومع مغادرة فئات واسعة من الشباب وأصحاب الخبرات، فقدت تل أبيب جزءا من ديناميكيتها التي شكلت لعقود عنصر جذب أساسي للاقتصاد الإسرائيلي.

 

وعلى الصعيد الاجتماعي، خلفت موجات الهجرة أثرا نفسيا عميقًا داخل المدينة، حيث تراجعت مظاهر الحياة الطبيعية، وازدادت مشاعر الخوف والإنهاك، وتآكلت الثقة في قدرة المؤسسة السياسية والعسكرية على توفير الحد الأدنى من الأمن، ولم تعد الهجرة تعبيرا عن رفاهية الاختيار، بل تحولت إلى قرار اضطراري لكثيرين، يعكس تصدع العقد غير المعلن بين الدولة ومواطنيها، والذي كان يقوم على معادلة “الأمن مقابل الولاء”.

 

أما سياسيا، فقد شكلت الهجرة من تل أبيب رسالة صامتة لكنها شديدة الوضوح، مفادها أن الحرب لم تنتج فقط خسائر عسكرية أو دبلوماسية، بل أصابت العمق المدني والاقتصادي لإسرائيل، وضربت صورة المدينة التي روج لها كواحة استقرار في منطقة مضطربة، ومع كل طائرة تقلع محمّلة بالمغادرين، تتعزز الأسئلة حول مستقبل تل أبيب، وقدرتها على الصمود كعاصمة فعلية للاقتصاد والحياة الحديثة، في ظل واقع أمني هش وحرب طويلة الأمد.

 

ولم تعد الهجرة مجرد رقم في إحصاءات رسمية، بل أصبحت مرآة تعكس حجم المأزق الذي تعيشه تل أبيب، ودليلًا على أن الحرب، حين تطول، لا تكتفي بتغيير خرائط الجبهات، بل تعيد تشكيل المدن، وتبدل أولويات البشر، وتكشف هشاشة السرديات التي بنيت على وهم الأمن الدائم.

 

وذكرت صحيفة هآرتس في 23 نوفمبر، أن 30 % فقط من الحريديم يفكرون في الهجرة، مقارنة بـ 39% من العلمانيين، حيث يفكر العلمانيون، وذوو الدخل والتعليم العالي، وناخبو يسار الوسط في مغادرة إسرائيل بمعدلات أعلى من المتدينين، وذوي التعليم المنخفض، بينما يفكر العرب في الهجرة بمعدلات أعلى، موضحة أن الأسباب الرئيسية هي غلاء المعيشة، وغياب مستقبل جيد للأطفال، وا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى