مصر ترسم خارطة طريق اقتصادية للعالم من “دافوس”.. الرئيس السيسي: مصر تمضي في بناء شراكات إقليمية ودولية راسخة تستهدف تحقيق المنفعة المشتركة

في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد العالمي، وتحت أنظار كبار قادة السياسة والمال في العالم، احتضنت مدينة “دافوس” السويسرية اليوم جلسة حوارية رفيعة المستوى، وضعت الدولة المصرية في قلب الحراك الاقتصادي الدولي.
وقد شكلت مشاركة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذه الجلسة الخاصة، ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي، رسالة ثقة وقوة، تعكس مكانة مصر كوجهة استثمارية أولى وركيزة للاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات.
شهدت الجلسة حضوراً استثنائياً ضم قادة دول ومسؤولين أمميين، تقدمهم رئيس المجلس الرئاسي الليبي السيد محمد المنفي، ورئيس وزراء لبنان السيد نواف سلام، إلى جانب نخبة من رؤساء الشركات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية، الذين اجتمعوا لاستكشاف “التجربة المصرية” في الإصلاح والصمود.
تقدير دولي لـ “النموذج المصري” في الإصلاح
بدأت الجلسة بكلمة افتتاحية من السيد “بورج برانديه”، الرئيس والمدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي لم يدخر جهداً في الإشادة بمسيرة التعاون بين مصر والمنتدى.
وأكد برانديه أن تخصيص جلسة كاملة تحت رعاية الرئيس السيسي لبحث فرص الأعمال في مصر، ينبع من إيمان المجتمع الدولي بأن السوق المصري بات يمتلك مقومات جذب لا تتوفر في كثير من الأسواق الناشئة، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها بنية الاقتصاد المصري التحتية والتشريعية.
كلمة الرئيس.. تشخيص دقيق لأزمات العالم ورؤية للمستقبل
في خطاب اتسم بلغة الدبلوماسية الراقية والوضوح الاقتصادي، خاطب الرئيس السيسي الحضور، مؤكداً أن العالم يعيش حقبة من التحولات العميقة. وأشار سيادته إلى أن الفجوة بين التطور التكنولوجي المتسارع – خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي – وبين أنماط التعاون الدولي التقليدية، تتطلب “ثورة” في العمل المشترك.
وجاء في ثنايا كلمة سيادته:
“إن مصر تؤمن بأن تضافر الجهود هو السبيل الوحيد لمواكبة التحولات الرقمية، وأننا نعمل بلا كلل لتهيئة مناخ أعمال لا يكتفي بجذب الاستثمارات، بل يحول القطاع الخاص إلى شريك أصيل في مسيرة التقدم والازدهار.”
وحذر الرئيس من أن الصراعات الجيوسياسية الراهنة، وتجاوز البعض لقواعد القانون الدولي، باتت العائق الأكبر أمام تحقيق التنمية، مشدداً على ضرورة العودة إلى ميثاق الأمم المتحدة وإعلاء قيم الحوار والتعايش السلمي.
السلام كضرورة اقتصادية.. إشادة بـ “قمة شرم الشيخ” وجهود “ترامب”
انتقل الرئيس السيسي في حديثه إلى ملف “الأمن الإقليمي”، رابطاً بشكل وثيق بين الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي. وأفرد مساحة واسعة للقضية الفلسطينية، معتبراً إياها “جوهر الاستقرار” في الشرق الأوسط.
وفي لفتة دبلوماسية هامة، أعرب الرئيس عن تقديره لجهود الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والتزامه بإنهاء الصراع في قطاع غزة.
وأشار الرئيس إلى أن “قمة شرم الشيخ للسلام” التي عُقدت في 13 أكتوبر 2025، مثلت نقطة تحول كبرى، حيث مهدت الطريق لوقف إطلاق النار وفتحت آفاقاً للأمل.
كما رحب ببدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب، مؤكداً أن مصر لن تتوقف عن دعم حقوق الشعب الفلسطيني حتى إقامة دولته المستقلة على خطوط 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كشف حساب الإصلاح: صمود الاقتصاد وجاذبية الاستثمار
لم تكن الجلسة مجرد عرض سياسي، بل كانت بمثابة “كشف حساب” اقتصادي دقيق. استعرض الرئيس السيسي بنود برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، موضحاً كيف نجحت الدولة في ضبط السياسات المالية والنقدية رغم الأزمات العالمية المتعاقبة.
أبرز ملامح الاستراتيجية المصرية التي عرضها الرئيس:
وثيقة سياسة ملكية الدولة: التزام كامل بتخارج الدولة من قطاعات معينة لتمكين القطاع الخاص.
برنامج الطروحات الحكومية: طرح شركات وطنية في البورصة لتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية في الملكية.
تحسين التصنيف الائتماني: إشارة واحدة إلى تقارير مؤسسات التمويل الدولية وصندوق النقد الدولي التي أشادت بمرونة الاقتصاد المصري.
دعوة للمستثمرين: “مصر.. بوابتكم لأسواق العالم”
وجه الرئيس نداءً مباشراً للمستثمرين حول العالم لاغتنام الفرص الذهبية في مصر، مؤكداً أن المستثمر في مصر يستفيد من:
البنية التحتية المتطورة: شبكة طرق وموانئ ومناطق حرة عالمية المواصفات.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: التي وصفها بأنها “منصة استراتيجية” للتجارة العالمية.
اتفاقيات التجارة الحرة: التي تسمح للمنتج المصري بالنفاذ إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية بمزايا تفضيلية.
حوار تفاعلي.. نداء لترميم النظام الدولي
في ختام الجلسة، انخرط الرئيس السيسي في حوار تفاعلي مفتوح، أجاب فيه عن تساؤلات الحضور حول التطورات الجيوسياسية. ووجه سيادته “نداءً تاريخياً” لقادة العالم بضرورة التمسك بالنظام الدولي وإصلاحه، محذراً من أن انهيار القواعد التي توافق عليها المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية سيقود العالم إلى نفق مظلم من عدم الاستقرار.
وشدد على أن مصر ستظل شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل عالمي أكثر عدلاً، داعياً الجميع للمشاركة في جلسة الأعمال المخصصة لمصر التي ستقام في وقت لاحق من هذا العام تحت رعاية سيادته.



