تقارير وتحليلات

افتتاح المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.. الأزهري: وثيقة القاهرة للعمران تحافظ على قيمة المهنة في عصر الذكاء الصناعي

افتتح الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، فعاليات المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية برعاية من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية ، وبإنابة عن الدكتور المهندس مصطفى مدبولي – رئيس مجلس الوزراء، والذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 20 من يناير بالقاهرة، بعنوان : “المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي”، بحضور الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني – وكيل الأزهر الشريف – نائبًا عن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، والدكتور نظير محمد عياد مفتي الديار المصرية،و الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين الشقيقة،و الدكتور محمد الخلايلة وزير الأوقاف والمقدسات الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، و الدكتور محمد بن سعيد المعملي وزير الأوقاف والشئون الدينية في سلطنة عمان الشقيقة، و الدكتور محمود صدقي الهباش – قاضي القضاة ومستشار الرئيس للشئون الدينية في فلسطين الشقيقة، وجمع غفير من المشاركون بالمؤتمر.

 

وفي بداية كلمته وجه وزير الأوقاف الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي – رئيس الجمهورية على رعايته للمؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

 

 

 

وزير الأوقاف يشكر الرئيس على رعايته للمؤتمر السادس والثلاثين

 

ورحب الوزير بضيوف مصر من الوزراء والعلماء والسفراء، معلنًا انطلاق المؤتمر الدولي الخامس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في رحاب قاهرة المعز وبرعاية من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، وبحضور ضيوف مصر جميعًا، ناقلًا تحيات الدكتور المهندس مصطفى مدبولي – رئيس مجلس الوزراء.

 

وأكد الوزير أن هناك الكثير والكثير من المهن التي وُجدت في الزمان النبوي الشريف، فصارت تلك المهن وأخلاقها وآدابها جزءًا لا يتجزأ من دينه وهديه وشرعه صلى الله عليه وسلم، حتى وُجد في زمنه الشريف المعلم كأبي سعيد الخدري، والمترجم كزيد بن ثابت، والطبيبة كالصديقة عائشة، وموثق الشهر العقاري كالعلاء بن عقبة والحسين بنير ومغيرة بن شعبة، والوزير كسيدنا جُبير بن سهيل السلمي، والسفير كسيدنا دِحية بن خليفة الكلبي، والبواب كسيدنا رباح الأسود وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك، والبناء كعمار بن ياسر وطلق بن علي التميمي، ورجل الأعمال أو الاقتصادي كسيدنا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، والنقيب وأول نقيبة في الإسلام أسماء بنت يزيد بن السكن وأوس بن الأنصاري، ووجد الحداد كأبي سيف القينِي، والخواص كسلمان الفارسي، والطباخ كأبي عبيدة، والقاضي وشرطة الإنقاذ النهري كسيدنا سفينة رضي الله عنهم أجمعين، إلى غير ذلك من عجائب المهن والحرف والصنائع التي تكشف لنا عن جانب مهجور من هدي النبوة.

 

فكم زكّى صلى الله عليه وسلم هؤلاء، وأرشدهم إلى آداب مهنهم وأخلاقها وممارستها بمنتهى الصدق والأمانة والإتقان، تحقيقًا لنفع الناس؛ نفعِ الناس الذي قال الله تعالى فيه: “وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ”.

 

فأشار سبحانه في هذا القول المعجز إلى عشرات المهن التي تدور في فلك ذلك، إذ الفلك والسفن تجري بما ينفع الناس، فتنشأ الموانئ وفيها عشرات الأعمال والمهن، وتنشأ خطوط التجارة والملاحة العالمية وفيها عشرات المهن، وتنشأ خطوط التعبئة والتفريغ وفيها عشرات المهن، وتنشأ المحاصيل والزراعات والصناعات والسلع التي تجري بها الفلك وفيها عشرات المهن، وتنشأ المآكل والمشارب التي تخدم أرباب تلك المهن فتولد أيضًا عشرات المهن.

 

فأي عمران هذا؟ وأي رواج للأرزاق هذا؟ وأي فتح للبيوت ونفع للناس هذا؟ ترى أيقل هذا أهميةً عن أداء فرائض الصلوات والزكاة والحج؟ أليس الكل من مشكاة واحدة، وأوامر رب واحد؟

 

موضحًا أنه لو لم ينزل من القرآن العظيم للناس سوى هذه الآية لكفتهم ووسعتهم، فكيف ببقية ما ورد في القرآن من التعقل والتدبر والهمة والسير في الأرض وتدبر آيات الفلك والبحار، نظير ما قال الإمام الشافعي يومًا: لو لم ينزل للناس حجة على الخلق إلا هذه السورة لكفتهم، يريد سورة العصر، وقال: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.

 

فتولدت من أنوار الشريعة بين أيدينا كلمات مباركة كسلاسل الذهب: وهي العمران، وهو ثلث الدين، والمهن والحرف والصناعات، وأخلاق تلك المهن حتى تنتج المؤسسات التي تنظم تلك المهن، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، نفع الناس، وإنه أحب وأرجى ما يتخلق به العبد عند الله.

 

مؤكدًا أن هذه الكلمات من جواهر الشريعة، حتى تتلى بجوارها كلمات الإتقان والإحسان والأمانة والإبداع والابتكار، والعلوم والمعاهد البحثية والجامعات والمخترعات؟ أليس هذا من جوهر الدين؟ أليست هذه الكلمات من عين الشريعة كالصلاة والزكاة والصدق والبر والعفاف والصلة؟.

وإني لأتعجب كيف غاب هذا عنا، وغرقنا في ظلمات الإرهاب والعنف والقتل والتكفير والخراب والدمار، وتقديم الشرع الشريف للعالمين في أقبح صورة، مما تغيب معه أنواره الباهرة التي ذكرناها من العمران ونفع الناس، مع العبادة والذكر والسير إلى الله.

 

وبهذا يتحقق ما نؤمن به جميعًا: أن مضمون الشرع الشريف محاربة الفقر ومعاداته، فالفقر أعدى أعدائنا، ولا علاج له سوى العمران والحرف والمهن.

 

وبهذا يتحقق ما نؤمن به جميعًا أن مقصود الشرع الشريف تحقيق الغنى، وأن الخطاب الديني الحق ينادي بصناعة الغنى والكفاية والرخاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس”.

 

ولقد نهض الأعلام لجمع المؤلفات في رصد جانب العمران في الهدي النبوي، فألف الإمام أبو الحسن علي بن ذي الوزارتين محمد بن مسعود الخزاعي التِّرمي كتابه العظيم الفريد «تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية»، فتتبع المهن في الزمان النبوي ليكشف لنا عن حجم عنايته صلى الله عليه وسلم بالحرف والمهن في زمانه، وطبعناه لدينا هنا في وزارة الأوقاف في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية إيمانًا منا بعظم أهميته وجزيل فائدته.

 

ثم جاء شيخنا العالم الأزهري الأصيل المظلوم الشيخ رفاعة الطهطاوي، فألف كتابه «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز صلى الله عليه وسلم»، فأفرد فصلًا عظيمًا يبلغ نحو ربع كتابه للحرف والمهن في الزمان النبوي.

 

ثم جاء شيخ مشايخنا العلامة السيد محمد عبد الحي الكتاني، فتتبع ذلك واستوعب وأضاف لكتاب الخزاعي نحو ضعفي مادته العلمية، فأخرج جمهرته وموسوعته العظيمة «التراتيب الإدارية في نظام الحكومة النبوية»، فأحصى هؤلاء الأعلام ما يزيد على مائتي مهنة وحرفة وصنعة في الزمان النبوي الشريف، كلها جرت على عينه صلى الله عليه وسلم، وفي رعايته وبتوجيهه، تحقيقًا لذلك المقصود الأعظم من مقاصد الشرع وغايات الوحي، والذي هو مقصد العمران.

ثم جاء فخر علماء مصر وقاضي القضاة وشيخ الإسلام الإمام المجدد المجتهد تاج الدين السبكي قبل نحو سبعة قرون، ليؤلف كتابه العظيم «معيد النعم ومبيد النقم»، الذي أحصى فيه 113 مهنة ووظيفة وحرفة وصنعة تُبنى بها الدول والمجتمعات، مع آدابها وأخلاقها، حتى إن المستشرق – الذي أذكره لأول مرة – يقول: إن هذا الكتاب أول كتاب مدون في علم نفس المهنة أو سيكولوجية المهن.

 

 

إن العمران عريق في هذا الدين، بل هو ثلث الدين، وأحد أجل مقاصده، لا يقل أهمية عن الصلوات وغيرها من الفرائض، فإن الله تعالى كما أمر بالصلاة أمر بالعمران، ولن تستقيم لنا العبادات والشعائر في حال الفقر والمرض والتخلف.

أخلاقياتها وأثرها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، بوصفها أحدية المؤسسة للعمران الإنساني، وبوصفها ركيزة أساسية في مشروع تجديد الخطاب الديني ضمن المحور الرابع لاستراتيجية وزارة الأوقاف، والذي هو صناعة الحضارة.

 

فالمؤتمر لا ينطلق من مبحث تراثي أو اقتصادي بحت، بل من رؤية حضارية شاملة ترى في المهنة جسرًا بين الإيمان والعمل والعلم والأخلاق والهوية والتنمية.

 

 

 

عصر الذكاء الاصطناعي

 

واليوم إذ يقف العالم على أعتاب ثورة رقمية فائقة السرعة والأهمية والخطورة، يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح العمل، وتبدل مفاهيم الإنتاج والمهارة، وتتأكد الحاجة إلى قراءة الماضي بعمق، وفهم الحاضر ببصيرة، واستشراف المستقبل برؤية تستلهم قيم الشرع الشريف، ومن أدوات العصر قوتها، لنقيم توازنًا بين الإنسان والآلة، والأخلاق والتقنية، والروح والمادة.

 

ومن هذا المؤتمر، ومن هذا المنطلق، ينعقد هذا المؤتمر ليقدم رؤية فكرية وميدانية متكاملة تعيد وصل ما انقطع بين القيمة والعمل، وإننا لنطمح في بلورة كل هذه المعاني في نقاط محددة ودقيقة في وثيقة سميناها «وثيقة القاهرة للمهن والعمران»، وسوف نطلقها ونقرأها في الجلسة الختامية، ونتطلع إلى توافق العلماء الحضور على مضمونها وتوقيعهم عليها، ثم نرسلها إلى بقية العالم الإسلامي لمزيد من التوافق على مضمونها الذي شرحناه فيما سبق، ثم ننقلها بالتنسيق مع بقية مؤسسات الدولة المصرية إلى الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو، لنقدم للعالم من مصر، من وزارة الأوقاف المصرية، خطابًا نرجو أن يكون ملهمًا ومفيدًا للإنسان، يعظم قيمة العمران والمهن، ويدفع إلى

محاربة الفقر وتعظيم الرخاء، ويدفع إلى الله جل جلاله على بصيرة.

إن مصر كانت وستظل مؤتمنة على علوم الشرع الشريف، تنير الدنيا بأنواره، وتلهم العالم بعلومه، وتواجه به التحديات، وتنير به الطريق.

 

 

 

 

وكيل الأزهر يدعو إلى رؤية أخلاقية متكاملة لتوظيف الذكاء الاصطناعي

 

من جانبه قال الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، إن المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يُجسِّد اهتمام الدولة المصرية بترسيخ مكانة المهن في الإسلام بوصفها قيمة حضارية وأخلاقية أصيلة تسهم في البناء والعمران، وتستشرف مستقبلها في ظل التحولات المتسارعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

 

 

وأضاف وكيل الأزهر خلال كلمته أن المؤتمر يهدف إلى تعزيز الريادة الوطنية للدولة المصرية في توظيف التقنيات الحديثة وتوجيهها لخدمة الوطن، وبناء الإنسان القادر على الإبداع والتطوير، والإسهام الإيجابي في نهضة مجتمعه، بما يحقق رؤية مصر 2030.

 

وأكد وكيل الأزهر أن الإسلام يقوم على بناء متوازن، ففي الوقت الذي يأمر فيه بعمارة المساجد بالصلاة والعبادة، يأمر كذلك بعمارة الأرض وصناعة الحضارة بالحِرَف والمِهَن والصنائع، كما أنه في الوقت الذي يدعو فيه إلى عمارة القلوب بالإيمان، يصون النفس من آفات الكسل، ويحفظ كرامتها من ذلّ السؤال.

 

وأوضح أن السنة النبوية الشريفة قدمت نموذجًا عمليًا لذلك، مستشهدًا بما وقع حين جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ يسأله، فتبين له فقر حاله وقلة ما يملك من متاع الدنيا، فوجهه النبي ﷺ – بلغة العصر – إلى حسن استثمار الموارد المتاحة، فعقد على متاعه اليسير مزادًا علنيًا، وفاوض في ثمنه حتى وفّر للرجل ما يصون بيته، ويفتح له باب حرفة تحفظ كرامته.

 

وأشار وكيل الأزهر إلى أن النبي ﷺ أعطى الرجل درهمين، وقال له: «اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا فأتني به»، فلما جاءه شد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده، وقال له: «اذهب فاحتطب وبِع ولا أرينّك خمسة عشر يومًا»، فذهب الرجل يحتطب ويبيع حتى عاد وقد أصاب عشرة دراهم، اشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال له رسول الله ﷺ: «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة».

 

وانطلاقًا من هذا المعنى، بيّن وكيل الأزهر أن المهن والحِرَف والصنائع في التصور الإسلامي تحتل مكانة رفيعة، وتُعد قيمة حضارية وأخلاقية أصيلة، مؤكدًا أن الإسلام يتجاوز بالمهن مجرد التكسّب والاسترزاق، إذ يربط بينها وبين القيم وأخلاق العمران والحضارة برباط وثيق، حتى أصبحت القيم الإيمانية والأخلاقية سمات لازمة للمهنة والحرفة لا تنفك عنها.

 

ولفت إلى أن هذا التصور الإسلامي الشامل يرسّخ في الوعي الإنساني أن كرامة الإنسان فيما يقدمه من عمل، وأن الكسل والبطالة عبء ثقيل على الفرد والمجتمع، وأن قيمة العمل تُقاس بما يحققه من نفع للناس، مشيرًا إلى أن أداء المهن في إطار أخلاقي راسخ من الإتقان والأمانة والمسؤولية يحولها إلى قوة تسهم في رقي الإنسان، وتجسّد الحضارة في أبهى صورها عمارةً وقيمًا وأخلاقًا.

 

وأشار وكيل الأزهر إلى أن دراسة المهن عبر تاريخ المسلمين تؤكد أن النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا حين يتكامل العلم مع العمل، وتتحد الكفاءة المهنية مع الأخلاق الرفيعة، موضحًا أن المهنة في التجربة الإسلامية رسالة تسهم في بناء الإنسان والعمران، وتقدّم نموذجًا حضاريًا يؤكد أن العمل الصالح أساس الحاضر وعماد المستقبل، موضحًا أن المهن كانت عبر تاريخ المسلمين أحد أعمدة الازدهار العلمي والاقتصادي، حيث أسهم الأطباء والعلماء والمهندسون والصناع والتجار في صياغة وجه الحضارة الإسلامية، ونقلوا معارفهم وخبراتهم إلى شعوب أخرى، فكانت مهنهم جسورًا للتواصل الحضاري، ووسائل لنشر القيم الإسلامية في الصدق والعدل وحفظ الحقوق.

 

وبيّن أن الحرف والمهن والصنائع تمثل برهانًا على نضج الشعوب، ومرآة تعكس قيمها وتصوّراتها عن الإنسان والحياة، فحين يسود احترام العمل وأهله يزدهر العلم وتتقدم الصناعة والتجارة، وحين تضعف أخلاق المهن تتراجع الحضارة وتفقد وجهتها، لافتًا أن الحضارات – على اختلاف حرفها – تتفق على أن العمل هو ميزان التقدم وعنوان الرقي، فلا تقوم حضارة إلا على سواعد العاملين، ولا تزدهر أمة إلا حين تجعل من المهن سبيلًا للتنمية وأداة لبناء الإنسان قبل بناء المادة.

 

وأضاف وكيل الأزهر في كلمته، أنه في زمن التداخل الحضاري والتقارب الإنساني، يصبح تبادل الخبرات المهنية بين الشعوب من أهم عوامل التقدم المشترك، مؤكدًا أن المهن يجب أن تظل جسرًا للتعارف والتفاهم، ووسيلة لتعزيز السلام والتعاون بين الأمم، مع الحفاظ على هوية كل حضارة وخصوصيتها وقيمها الأصيلة.

 

وانتقل وكيل الأزهر إلى الحديث عن مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذا الملف يفرض ضرورة تحقيق التوازن بين التقدم العلمي والثوابت الأخلاقية، وبين التطور التقني وكرامة الإنسان، لافتًا إلى أن الذكاء الاصطناعي بات أحد محركات التحول في سوق العمل، بما يعيد تشكيل طبيعة المهن ويؤثر في أدوار الإنسان ومهامه.

 

وشدد على أن المؤسسات العلمية والدعوية مطالبة بأن تكون حاضرة برؤى رشيدة تضبط هذا التحول، ولا تتركه بلا بوصلة قيمية توجهه، مؤكدًا أن مستقبل المهن لا يُقاس فقط بسرعة الآلة ودقتها، بل بقدر ما يحافظ الإنسان فيه على دوره المحوري في التوجيه والضبط وتحمل المسؤولية، وأن التحدي الحقيقي الذي يطرحه هذا المؤتمر يتمثل في كيفية الحفاظ على “أنسنة المهن” في عصر الذكاء الاصطناعي، مبينًا أن الذكاء الاصطناعي، رغم امتلاكه السرعة والدقة، يفتقر إلى الضمير والرحمة والمسؤولية الأخلاقية التي يتميز بها الإنسان، والتي تُعد جوهر المهن في الإسلام.

 

وأردف أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة تخدم الإنسان لا تستبدله، ووسيلة تعين على الإتقان لا تغني عن الضمير، وتساعد على الإنتاج دون أن تلغي القيم، محذرًا من أن أخطر التحديات لا يكمن في تبني التقنيات الحديثة، بل في كيفية دمجها دمجًا أخلاقيًا يحفظ العدالة في فرص العمل، ويصون حقوق العاملين، ويمنع تحوّل التقنية إلى أداة للإقصاء أو الاستغلال غير الأخلاقي.

 

وبيّن إلى أن العقل الإنساني، إذا كان قد استطاع أن يبدع عقلًا صناعيًا، فإنه ملزم بأن يزن ذلك بميزان الضمير والمسؤولية الشرعية والأخلاقية، مؤكدًا أن الرقابة الأخلاقية والقيمية تمثل جسر الأمان بين الإبداع العلمي والعمل المهني، وأن غياب هذه الرقابة قد يحوّل التقنية من وسيلة لخدمة الإنسان إلى أداة لإضعافه أو تجريده من إنسانيته، مؤكدًا أن مستقبل المهن في ظل الذكاء الاصطناعي يتوقف على ترسيخ أن التقنية لا تغني عن الأمانة، وأن العلم لا يغني عن الخلق، ولا تكتمل المهنة إلا بجمال القيم ورقابة الضمير.

 

وفي ختام كلمته، أكد وكيل الأزهر أن المهن في ميزان الشريعة ميدان للعبادة والعطاء وبناء الحضارة، وأن الحديث عنها في ظل الطفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي هو حديث عن مستقبل الإنسان في ضوء القيم الإيمانية، داعيًا إلى إعادة صياغة المفاهيم بما يحقق التوازن بين الآلة والإنسان، وبين المصلحة المادية والقيم الأخلاقية، داعيًا العلماء والباحثين والمتخصصين المشاركين في المؤتمر إلى التعاون من أجل وضع خارطة طريق تضمن الاستفادة من التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي دون تعارض مع الثوابت المهنية والقيم الأخلاقية، لبناء نموذج حضاري متوازن يجمع بين التقدم التكنولوجي والالتزام المهني والأخلاقي.

 

 

مفتي الجمهورية يؤكد أن التكنولوجيا أدوات وليست غايات والإنسان هو محور المهن وكرامته أولوية

 

وأكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية، رئيس الأمانة العامة لهيئات الإفتاء في العالم، في كلمته خلال المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن استشراف مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يقوم على ربط التطور التقني بالمقاصد الإنسانية والقيم الأخلاقية، بما يضمن بقاء الإنسان محور العملية المهنية وغايتها الأساسية.

 

 

وأكد الدكتور نظير عياد أن المؤتمر يمثل تتويجًا للدور الذي تضطلع به وزارة الأوقاف في تعزيز الوعي المجتمعي وإبراز جهود الدولة المصرية في بناء الإنسان وصناعة الحضارة.

 

وأوضح مفتي الجمهورية أن الواقع المهني يشهد تحولات متسارعة في ضوء الطفرة التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذا التطور يفرض ضرورة إعادة تأكيد البعد القيمي والأخلاقي للمهن، حتى لا تنفصل الوسائل عن غاياتها الإنسانية، وأن استشراف مستقبل المهن لا يمكن أن يكون بمعزل عن الأخلاق والتشريع الرشيد والوعي الإنساني الحي.

 

وأشار إلى أن إعداد الكوادر المهنية يجب أن يقوم على التمكين المعرفي والتقني، إلى جانب التهذيب الأخلاقي والسلوكي، بما يضمن أن تظل المهن أداة للبناء والتنمية، لا وسيلة للإضرار بالكرامة الإنسانية أو تهميش الإنسان.

 

وأكد أن المهن في التصور الإسلامي كانت ولا تزال وسيلة لعمارة الأرض، وأن العمل المهني كان من وظائف الأنبياء عليهم السلام، وشكّل عبر العصور أساسًا لتشييد العمارة الإنسانية وبناء الحضارة.

 

كما تناول الدور الحضاري للمهن في بناء الحضارة الإسلامية، مشيرًا إلى أنها أسهمت في تحقيق التنمية المستدامة والتوازن بين العمارة المادية والحضارة القيمية، من خلال تشييد المدن وبناء القلاع والحصون وشق قنوات المياه وإنشاء الأسواق، إلى جانب إسهامات المهن العلمية مثل الطب والهندسة والصيدلة، فضلاً عن المهن الإدارية والتنظيمية التي نظمت شئون الدولة وأسهمت في نقل العلوم والمعارف.

 

وأكد مفتي الجمهورية أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أثار مخاوف بشأن مستقبل بعض المهن، مشددًا على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في القيم التي تُدار بها، وأن الذكاء الاصطناعي يظل أداة ينبغي توجيهها لتحقيق النفع للبلاد والعباد في إطار أخلاقي منضبط.

 

واختُتمت أعمال الجلسة بمواصلة مناقشات المؤتمر حول محاور المهن وأخلاقياتها ومستقبلها، تمهيدًا للخروج بتوصيات تسهم في تعزيز الوعي المهني القيمي في العصر الرقمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى