صراع “الجبنة واللحمة” في مصر 2026.. “أهل إيجيبت” يتباهون بأطباق الخمسة آلاف جنيه.. وبسطاء يطاردون “هياكل الفراخ”

«صعبتوها علينا حتى في الجبنة».. لم تعد هذه الجملة مجرد “تعليق” عابر على منصات التواصل الاجتماعي، بل باتت صرخة مكتومة تعكس فجوة طبقية اتسعت حتى وصلت إلى “لقمة العيش”.
فبينما ينشر صناع محتوى “أهل إيجيبت” فيديوهات لوصفات “رخيصة” تتجاوز تكلفتها ميزانية أسرة متوسطة لشهر كامل، يعيد ملايين المصريين صياغة حياتهم تحت ضغط تآكل القوة الشرائية، في معركة يومية عنوانها “التأقلم أو الاستغناء”.
بورصة الجبن: رفاهية “البيكورينو” مقابل صمود “القريش”
أصبح نوع الجبن في مصر مؤشراً غير رسمي للرفاهية؛ ففي الوقت الذي يتفاخر فيه “أهل إيجيبت” بأنواع مستوردة مثل “بيكورينو رومانو” و”بارميجانو” التي يتخطى سعر الكيلو منها 1500 جنيه، تكتفي الموائد الشعبية بالجبنة “القريش” (75 جنيهاً) أو “الرومي المحلي” الذي بات حلماً بعيد المنال للبعض بسعر 230 جنيهاً.
هذا التفاوت يمتد ليشمل البروتين؛ فالأغنياء يقتنصون القطعيات الفاخرة من اللحوم الحمراء والأسماك كالسلمون والكافيار، بينما يصارع محدودو الدخل للحصول على “البلطي” أو اللحوم المجمدة والدواجن البيضاء، بل ووصل الأمر ببعض الفئات لشراء “هياكل ورؤوس الدواجن” لسد جوع الأبناء.
تآكل الطبقة المتوسطة: حين يصبح “الحد الأدنى” 15 ألف جنيه
يحلل الدكتور طارق حماد، العميد الأسبق لكلية التجارة بجامعة عين شمس، هذا المشهد مؤكداً أن “الطبقة المتوسطة اضمحلت ودخلت في نطاق الطبقة الدنيا”. ويرى حماد أن القوى الشرائية انخفضت بشدة رغم زيادة الدخول ظاهرياً، مما أجبر الموظفين على تقليل كميات الطعام والاستغناء عن شراء الملابس أو الخروج للتنزه.
ويفجر حماد مفاجأة اقتصادية بقوله: “إن الحد الأدنى للأجور المطلوب لمواكبة أسعار 2026 يجب أن يبدأ من 15 ألف جنيه”، محذراً من أن رفع الأجور دون زيادة حقيقية في الإنتاج سيؤدي إلى طبع نقود بلا قيمة، مما يشعل فتيل الأسعار مجدداً.
“سلع التفاخر” والحقد الطبقي: أخلاقيات الاستهلاك
يرصد التحقيق ظاهرة “الطبقة الشاذة” التي تقبل على الشراء كلما ارتفع السعر كنوع من التفاخر. شاليهات بـ 10 آلاف جنيه في اليوم، وفطور “فول وطعمية” بـ 1200 جنيه، وتذاكر حفلات بـ 30 ألف جنيه؛ كلها سلوكيات يراها الخبراء “استفزازية” تثير الحقد الاجتماعي.
يقول الدكتور حماد: “حق الغني في الشراء ليس مطلقاً، فمن الأخلاق ألا يتفاخر بقدرته أمام من لا يملك الأساسيات، لأن هذا يقلل القدرة الإنتاجية للمجتمع ويزيد من شعور الإحباط والتذمر”.
صحة الأجيال في خطر: البروتين النباتي كبديل قسري
من جانبه، يدق عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة، ناقوس الخطر حول جودة الغذاء. فالفجوة بين من يأكل “الهياكل” ومن يحصل على البروتين الحيواني الصافي تؤثر مباشرة على الصحة العامة وبناء أجسام الأطفال.
ويوضح السيد أن الأسر الأكثر فقراً تحولت قسرياً للبروتين النباتي، وهو ما قد يزيد من تكلفة الفاتورة الصحية للدولة مستقبلاً، مؤكداً أن “الغذاء الجيد ليس رفاهية بل هو أساس العقل السليم والجسم السليم”.
أرقام تعكس الفجوة (لحوم 2026):
الطبقة العليا: تشتري لحوماً “حسب القطعية” تبدأ من 550 جنيهاً.
الطبقة المتوسطة: تشتري اللحوم بمتوسط 450 جنيهاً.
الطبقة الدنيا: تعتمد على اللحوم المجمدة بـ 280 جنيهاً أو منافذ الدولة المدعمة.
البحث عن عدالة اجتماعية
يبقى الصراع بين “أهل إيجيبت” وبقية الشعب صراعاً يتجاوز محتوى الفيديوهات؛ إنه صراع على جودة الحياة. ومع استمرار الدولة في دعم المجمعات الاستهلاكية لتخفيف العبء، يظل السؤال: متى تلتقي الأجور مع الأسعار في نقطة تضمن “حياة كريمة” للجميع بعيداً عن صخب التفاخر المليوني؟



