بعد انفراد الأغلبية باللجان.. كواليس محاولات نواب المعارضة تشكيل كتلة برلمانية في مجلس النواب
في ظل حصد الأحزاب الكبرى للأغلبية الساحقة في هيئات مكاتب اللجان النوعية الـ25 بمجلس النواب، تتجه الأنظار إلى دور المعارضة، وقدرتها على ممارسة الرقابة السياسية والتشريعية، رغم محدودية مقاعدها. فالتحدي الأكبر أمام المعارضة اليوم ليس فقط تمثيل نفسها، بل كيفية التمركز داخل اللجان الاستراتيجية وفرض حضور مؤثر يمكنه التأثير على صياغة القرارات والتشريعات خلال الفصل التشريعي الثالث (2026–2031).
تضم المعارضة عددًا من الأحزاب الرئيسة مثل العدل، المصري الديمقراطي الاجتماعي، والإصلاح والتنمية، والتي شكلت تحالفًا برلمانيًا باسم «تحالف الطريق»، في خطوة تهدف إلى تنسيق الجهود وضمان صوت منظم تحت القبة. ومعها يبرز دور النواب المستقلين مثل ضياء داوود وأحمد فرغلي، اللذين يقدمان بعدًا شخصيًا وسياسيًا يعزز تعددية الرؤى في النقاشات التشريعية، ويتيح للمعارضة أن تمتلك صوتًا مستقلًا قادرًا على التأثير، ولو جزئيًا، في مجريات العمل البرلماني.
وبالرغم من سيطرة الأغلبية على رئاسة اللجان، نجحت المعارضة في تأمين 9 مقاعد في هيئات مكاتب اللجان، منها 6 مقاعد لتحالف الطريق، ما يتيح لها المشاركة في القرارات التنظيمية للجان. ومن أبرز النواب الذين يمثلون المعارضة في هذه الهيئات: عبد المنعم إمام (العدل – وكيل لجنة الخطة والموازنة)، هايدي المغازي (العدل – وكيل لجنة العلاقات الخارجية)، إيهاب منصور (المصري الديمقراطي – وكيل لجنة القوى العاملة)، مها عبد الناصر (المصري الديمقراطي – وكيل لجنة الاتصالات)، وراوية مختار (الإصلاح والتنمية – وكيل لجنة القوى العاملة)، إضافة إلى نواب من الوفد والتجمع الذين حصلوا على مقاعد وكيل أو أمانة سر في لجان استراتيجية.
تركز المعارضة جهودها بشكل واضح على اللجان ذات الأهمية التشريعية والرقابية الكبرى، وعلى رأسها لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، والتي تعد العقل القانوني للمجلس. تضم هذه اللجنة خمسة نواب معارضين من أحزاب مختلفة، مما يتيح للمعارضة متابعة مشروع القوانين المكملة للدستور والقوانين المنظمة للحياة السياسية والعملية الانتخابية. كذلك تعمل المعارضة على التمركز في لجان القوى العاملة، الاقتصاد، الخطة والموازنة، الإسكان، والإدارة المحلية، حيث يمثل النواب المعارضون هذه اللجان لضمان الاطلاع المباشر على التشريعات ومناقشتها.
ويشير نواب المعارضة إلى أن التمركز الاستراتيجي داخل هذه اللجان يمنحهم القدرة على المشاركة في النقاشات الجوهرية والتدخل في صياغة القرارات ذات الأثر المباشر على الاقتصاد والمجتمع والسياسة. كما يسمح لهم بتطوير أدوات الرقابة ومتابعة الأداء التنفيذي للحكومة، ما يعزز من حضور المعارضة حتى في ظل الهيمنة العددية للأغلبية.
وفي المقابل، هناك بعض اللجان التي غابت عنها المعارضة تمامًا، مثل التضامن الاجتماعي، والدفاع والأمن القومي، والشؤون الدينية، ما يبرز أهمية الاستراتيجية في اختيار اللجان بعناية، لضمان أكبر أثر ممكن مع الموارد والتمثيل المحدود.
يعكس هذا التمركز الاستراتيجي نهجًا جديدًا للمعارضة في البرلمان، يقوم على التوازن بين التأثير والرقابة السياسية، بدلاً من مجرد التواجد العددي. فمن خلال هذه الاستراتيجية، تسعى المعارضة إلى الحفاظ على حضور مؤثر في الحياة التشريعية، وضمان أن يكون صوتها مسموعًا في المناقشات البرلمانية، وهو ما قد يساهم في التأثير على السياسات والقوانين المستقبلية لصالح المجتمع المصري خلال السنوات المقبلة.
باختصار، يبدو أن المعارضة تعمل اليوم على توظيف أدواتها بذكاء داخل البرلمان، لضمان أن تكون قوة رقابية فعّالة، حتى في ظل السيطرة العددية للأغلبية، لتظل جزءًا أساسيًا من عملية صنع القرار، وضامنًا لتعددية الرؤى داخل المجلس.



