تقارير وتحليلات

12 مليون عامل تحت رعاية الدولة.. كيف تحول قانون العمل الجديد إلى “درع أمان” للعمالة غير المنتظمة في مصر

تعد العمالة غير المنتظمة في مصر “الجندي المجهول” والعمود الفقري للاقتصاد اليومي؛ فهم بناة المدن الجديدة، وصيادو البحار، وحصادو المحاصيل الزراعية. ورغم حضورهم الطاغي في قطاعات التشييد واللوجستيات والمناجم، ظلوا لسنوات طويلة الحلقة الأضعف في سوق العمل، يفتقرون لعقود مستقرة أو حماية اجتماعية تقيهم تقلبات الزمن.

اليوم، ومع مطلع عام 2026، يشهد هذا الملف تحولاً جذرياً يهدف إلى دمج نحو 12 مليون عامل تحت مظلة رسمية، مدعومة بتشريعات غير مسبوقة ورقمنة شاملة تنهي عقوداً من العمل “خارج الرادار”.

أرقام تعكس الواقع: 12 مليون عامل وسباق مع الزمن
تتفاوت التقديرات حول حجم هذه الفئة، إلا أن القراءات الأكثر دقة تشير إلى أن العمالة غير المنتظمة تمثل نحو 15% من قوة العمل المصرية. ويتوزع هؤلاء بين 7.5 مليون عامل خارج المنشآت (باعة جائلين وحرفيين)، و4 ملايين عامل داخل القطاع غير الرسمي.

وفيما سجلت قواعد بيانات وزارة العمل نحو 1.06 مليون عامل بنهاية 2024، تضع الدولة نصب أعينها هدفاً مرحلياً للوصول إلى 2.5 مليون عامل مسجل، لضمان وصول الدعم الصحي والاجتماعي لمستحقيه الفعليين.

قانون 2025: ثورة تشريعية لحماية “ملح الأرض”
يمثل قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 نقطة فاصلة في تاريخ هذه الفئة؛ إذ خصص المواد من (74 إلى 84) لوضع إطار قانوني شامل يتضمن:

صندوق إعانات الطوارئ: ولأول مرة، تم إنشاء صندوق يتمتع بالشخصية الاعتبارية لتقديم منح مالية، ودعم التأمين الصحي والاجتماعي.

سلطات رئاسية: منح القانون رئيس الجمهورية صلاحية التدخل بصرف إعانات استثنائية في حالات الأزمات، استلهاماً من تجربة جائحة كورونا الناجحة.

الحق في الحماية: أصبحت الوزارة ملزمة بحصر هذه العمالة وربطها بقواعد بيانات وطنية تضمن لها نفس الحقوق التي يتمتع بها العامل المنتظم.

منحة الـ 1500 جنيه ورعاية “الضحايا”
لم يتوقف الدعم عند التشريع فقط، بل امتد لتقديم حوافز مالية ملموسة. رفعت وزارة العمل قيمة المنح الدورية لتصل إلى 1500 جنيه تصرف في 6 مناسبات سنوياً، بتكلفة إجمالية تبلغ 1.5 مليار جنيه.

وعلى صعيد الرعاية الصحية، تم استحداث بند لمواجهة الحوادث يمنح أسرة العامل المتوفى أو المصاب بعجز كلي تعويضاً يصل إلى 200 ألف جنيه، حتى وإن لم يكن مسجلاً في قواعد البيانات وقت الحادث، كنوع من التكافل الاجتماعي الاستثنائي.

عصر الرقمنة: وداعاً للأوراق والروابط الوهمية
تتحول منظومة العمالة غير المنتظمة حالياً إلى “الرقمنة الكاملة”؛ حيث أطلقت وزارة العمل منصة إلكترونية موحدة. ولضمان الشفافية، حذرت الوزارة من الروابط الوهمية، مؤكدة أن التسجيل لا يتم عبر الأفراد، بل عبر:

المقاولين والشركات: الذين يلتزمون بتسجيل عمالهم لدى مديريات العمل.

حملات الحصر الميداني: التي يقوم بها مفتشو الوزارة في مواقع العمل الحية.

المسار التاريخي: “كورونا” نقطة التحول
بالنظر إلى المسار التاريخي، بدأ الاهتمام الحقيقي بعد عام 2011، لكن جائحة كورونا (2020) كانت الاختبار الحقيقي؛ حيث كشفت هشاشة الدخل اليومي. ومنذ ذلك الحين، تسارعت الخطى من صرف منح طارئة إلى إنشاء “وثيقة أمان” في 2018، وصولاً إلى دمج العمالة في قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019، والذي سمح للعامل بالتأمين على نفسه ببيانات بسيطة (بطاقة الرقم القومي وشهادة ميلاد).

الخلاصة
إن دمج العمالة غير المنتظمة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي. فبينما تتصدر القاهرة قائمة المحافظات الأعلى تسجيلاً، ويظل الريف المصري صاحب النصيب الأكبر من العمالة الموسمية (60%)، تظل الدولة تسابق الزمن لتحويل “العمالة الهشة” إلى “عمالة محمية” بقوة القانون والتكنولوجيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى