الإرادة تكسر أمواج التحدي.. “محمد كرم” يكتب التاريخ كأول غواص مصري من أصحاب متلازمة داون يقود حملة لحماية الشعاب المرجانية في الغردقة

في مشهد يجسد أرقى معاني الإرادة الإنسانية والمسؤولية الوطنية، احتضنت مياه البحر الأحمر الصافية حول جزيرة “الجفتون” الشهيرة بالغردقة حدثاً استثنائياً تجاوز كونه مجرد نشاط بيئي روتيني. فقد شهدت المحمية الطبيعية الأولى في مصر انطلاق حملة نظافة وتوعية كبرى، لم يكن بطلها غواصاً عادياً، بل الشاب محمد كرم، الذي نجح في تحطيم كافة القواعد النمطية ليصبح أول غواص مصري من أصحاب متلازمة داون يحصل على رخصة غوص دولية معتمدة، ويتحول إلى أيقونة عالمية للدفاع عن البيئة البحرية.
رحلة الحلم: من التحدي إلى الاحتراف
لطالما كان عالم البحار هو الشغف الأول لمحمد كرم (20 عاماً). لم يكن حلمه بمداعبة الشعاب المرجانية واستكشاف أسرار الكائنات البحرية مجرد أمنية عابرة، بل كان مشروعاً تطلب عزيمة فولاذية. واجه محمد تحديات قاسية في بداية طريقه؛ فالتدريب على الغوص الاحترافي يتطلب تركيزاً ذهنياً فائقاً، وقدرة عالية على التحكم في التنفس والتعامل مع معدات معقدة تحت ضغط الماء، وهي مهارات تمثل تحدياً مضاعفاً لذوي الهمم.
بالصبر والمثابرة، وبدعم من مدربيه، استطاع محمد استيعاب تعليمات السلامة الصارمة وإتقان مهارات التحكم في الطفو. وبعد شهور من الجهد والتفاني، أثبت أن “الإعاقة” لا تكمن في الجسد بل في سقف التوقعات، ليحصل بجدارة على رخصته المعتمدة، معلناً عن ولادة بطل جديد في عالم الغوص.
مهمة في قلب “الجفتون”: حارس الأعماق
تحولت جزيرة الجفتون، التي تعد مركزاً للتنوع البيولوجي العالمي، إلى مسرح لبطولة بيئية فريدة. ارتدى كرم بذلة الغوص وحمل أسطوانة الأكسجين بثقة بالغة، ليغوص بجانب فريق من الباحثين والمتطوعين في مهمة وطنية. لم يكن الهدف الاستمتاع بجمال البحر فحسب، بل كان “العمل الميداني الشاق”؛ حيث قام محمد باستخراج كميات كبيرة من المخلفات البلاستيكية، وشباك الصيد المهملة، والأكياس العالقة بين المستعمرات المرجانية الحيوية، والتي تشكل خطراً داهماً على حياة السلاحف والكائنات البحرية الدقيقة.
ولم تقتصر جهوده تحت الماء فقط، بل امتدت لتشمل توعية السياح وأصحاب المراكب، حيث شارك في توزيع منشورات توضيحية تشرح خطورة البلاستيك أحادي الاستخدام، داعياً الجميع للحفاظ على النظام البيئي الهش في الغردقة.
دعم رسمي ورؤية “الغردقة الخضراء”
جاءت هذه الفعالية تحت رعاية مباشرة من الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، وبالتعاون مع قطاع حماية الطبيعة وممثلين عن مشروع “الغردقة الخضراء”. ويهدف المشروع إلى دمج البعد البيئي في القطاع السياحي، مع التركيز على مبدأ “الشمول المجتمعي”.
وأكدت الدكتورة منال عوض في تصريحاتها أن محمد كرم يمثل نموذجاً وطنياً ملهماً، مشيرة إلى أن الدولة المصرية تضع دمج ذوي الهمم في صدارة أولوياتها ضمن ملف “الاقتصاد الأزرق”. وقالت الوزيرة: “إن مشاركة محمد هي رسالة أمل تبرز الوجه الإنساني لمصر، وتعزز صورتنا الدولية كوجهة رائدة في السياحة البيئية المستدامة، وتؤكد أن حماية البيئة هي مسؤولية تضامنية يشارك فيها الجميع دون استثناء”.
أيقونة الأمل والانتصار
اختتمت الحملة بمشهد سيظل محفوراً في ذاكرة الحضور؛ محمد كرم يرفع علامة “النصر” من أعماق البحر، ممسكاً بكيس ممتلئ بالمخلفات التي نجح في إزالتها. انتشرت هذه الصورة كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وصفه المتابعون بـ “سفير البيئة” و”صاحب القلب الأنقى”.
لقد أثبت محمد كرم أن الإرادة المصرية لا تعرف المستحيل، وأن ذوي الهمم ليسوا مجرد متلقين للدعم، بل هم شركاء فاعلون ومنتجون وقادرون على قيادة مبادرات عالمية لحماية كوكبنا، لتصبح قصته دعوة مفتوحة لكل فرد ليكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.



