سيد الصقيع يفرض سيطرته على وادي النيل.. مصر تستعد لاستقبال شهر “طوبة” ببرودة قارصة

مع دقات الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة القادم، الموافق التاسع من يناير لعام 2026، تدخل مصر رسمياً في ما يُعرف بـ “المنطقة الزرقاء” من العام، حيث يبدأ شهر “طوبة” في فرض سيطرته الكاملة على الأجواء ببرودة لا تعرف الهوادة، معلناً عن وصول الشتاء إلى ذروته القصوى وفقاً للتقويم المصري القديم.
طوبة.. رحلة البحث عن الدفء في أبرد 30 يوماً
يمثل هذا الموعد في الوجدان الشعبي والزراعي المصري نقطة تحول كبرى، حيث تتحول النسمات الشتوية المعتادة إلى رياح قارصة تلامس العظام. ويبدأ المصريون معها رحلتهم السنوية للبحث عن الدفء في أبرد ثلاثين يوماً تمر على وادي النيل، وسط ترقب دقيق من هيئة الأرصاد الجوية التي تشير خرائطها إلى انخفاضات ملموسة في درجات الحرارة تزامناً مع وصول هذا “الضيف الثقيل”.
ويستمد شهر طوبة مكانته التاريخية من وقوعه في قلب فصل “بريت” (فصل النمو) لدى القدماء المصريين، وهو الشهر الذي يلي “كيهك” صاحب الليالي الطويلة، ليأتي طوبة مكملاً لمنظومة الشتاء القاسي.
وتعود تسميته إلى كلمة “طوبيا” باللغة المصرية القديمة، والتي تعني “الأسمى” أو “المطهر”، حيث كان يرمز قديماً لتطهير الأرض بمياه الفيضان وري المحاصيل بماء النيل الذي يبلغ قمة نقائه في هذا التوقيت.
موروث الأجداد.. “طوبة يخلي الصبية كركوبة”
رغم التغيرات المناخية العالمية، لا يزال “طوبة” يحتفظ بهيبته ككسار للحرارة ومصدر للصقيع الممتد، مما يستوجب تدابير احترازية قصوى، خاصة في ساعات الليل والصباح الباكر.
وقد صاغ الوجدان المصري عبر القرون أمثلاً شعبية تجسد قسوة هذا الشهر؛ فالمثل الشهير “طوبة يخلي الصبية كركوبة” يعكس بدقة كيف تنال البرودة من عزم الشباب وتجعلهم ينحنون من شدة الصقيع.
كما برزت أمثال أخرى تصف “عضة البرد” وتأثيرها الطبي على الجسم مثل “طوبة ينشف العرقوبة”، في إشارة إلى تيبس العضلات وجفاف الجلد.
ولأن طوبة يتوسط موسم الشتاء، فقد منحه المصريون صفة السيادة، مرددين: “طوبة بين كيهك وأمشير.. تطلع البطاطين من السرير”، وهي دعوة تاريخية لإعلان حالة الطوارئ المنزلية.
نصائح طبية وتحذيرات من الشبورة المائية
على الصعيد الصحي، شدد الأطباء على ضرورة رفع الكفاءة المناعية عبر:
الإكثار من المشروبات الدافئة وتناول الأطعمة الغنية بفيتامين “C” كالموالح.
التهوية السليمة للمنازل رغم البرودة لمنع انتشار العدوى.
غسل الأيدي بانتظام لمواجهة أمراض الشتاء الشائعة.
وفي سياق متصل، حذرت هيئة الأرصاد قائدي المركبات من ظاهرة “الشبورة المائية” والضباب الكثيف الذي يصاحب صباحات طوبة، مما يتطلب حذراً شديداً أثناء القيادة على الطرق السريعة والصحراوية.
قطاع الزراعة: بين النماء ومخاطر الصقيع
رغم قسوته، يُعد طوبة شهر الخير؛ ففيه يزدهر الزرع وتكتسي الحقول بالخضرة. ومع ذلك، توجه وزارة الزراعة توصيات عاجلة للمزارعين لحماية المحاصيل الحساسة مثل البطاطس والبصل والثوم من مخاطر “الصقيع”، عبر:
تنظيم عمليات الري واللجوء للري التكميلي في الليالي شديدة البرودة.
تعفير المحاصيل بالكبريت الزراعي ورش المركبات الداعمة لتعزيز صمود النبات.
يظل شهر طوبة حالة فريدة من التلاحم بين المصري وبيئته، حيث تزدحم الموائد بأطباق “العدس والقلقاس” لمد الجسم بالطاقة. ومع دخول يوم الجمعة، يفتح المصريون فصلاً جديداً من حكايتهم السنوية مع “سيد الصقيع”، مسلحين بالوعي والموروث الشعبي حتى يتسلم “أمشير” الراية في الأسبوع الأول من فبراير.



