تراتيل الفقد في “مدن الأشباح”.. كيف اغتالت الحرب الحياة في غزة وحولتها إلى صمت ينزف فوق الركام؟
كانت غزة، قبل أن ينهشها أنياب الحرب، مدينة لا تُبنى بقطع الطوب والأسمنت فحسب، بل كانت صرحاً مشيداً بالأصوات والتراتيل اليومية.
لم يكن أهلها بحاجة إلى خرائط جغرافية ليهتدوا إلى أزقتهم؛ فثمة سيمفونية فطرية كانت تقود القلوب إلى البيوت. يبدأ الفجر هناك بصوت مؤذن رخيم، ليس مجرد نداء للصلاة، بل يدٌ حانية تربت على كتف المدينة وتهمس في آذان المتعبين: “ما زال هناك يوم جديد يستحق أن يُعاش”.
اليوم، تبدلت الملامح، وغابت النبرة. لم تعد غزة التي نعرفها سوى “صدى” لمدينة كانت تضج بالحياة، حيث استُبدلت ضحكات الأطفال بأزيز الطائرات، وصخب الأسواق بصمت الجنائز، ورائحة الخبز المنبعثة من الأفران برائحة الغبار والحطب المحروق.
أصواتٌ تحت الركام: شهادة يحيى العوضية عن مدينة فقدت حنجرتها
في حديث يفيض بالمرارة، يروي الصحفي الفلسطيني يحيى العوضية كيف انكسر صوت المدينة. يقول العوضية: “لقد اختفت أصوات المساجد، وشيوخنا الذين كنا نألف نبراتهم في كل صلاة غابوا؛ فمنهم من استشهد، ومنهم من أصيب، ومنهم من هُدم مسجده فوق رأسه. اليوم، الأذان الذي يرتفع من فوق الأنقاض يبدو ضعيفاً، حزيناً، وكأنه نداء استغاثة لا يتكرر إلا في صلاة الفجر”.
ويضيف العوضية أن الانقطاع لم يشمل دور العبادة فقط، بل امتد لِيغتال براءة الشوارع: “أصوات الباعة المتجولين الذين كانوا يلحنون بضائعهم اختفت تماماً. أما المدارس، فقد سادها صمت مطبق لأكثر من عامين؛ مما يهدد جيلاً كاملاً بالضياع التعليمي، ويتركه فريسة لجهل فرضته آلة الحرب”.
تعليمٌ على الأرض الباردة: صرخة “الأونروا” وسط الانهيار
في سياق متصل، كشفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في بياناتها الأخيرة عن واقع مأساوي يواجه العملية التعليمية. فمن بين 330 مساحة تعلم مؤقتة، يدرس أكثر من 44 ألف طفل وطفلة في ظروف تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية.
يجلس هؤلاء الأطفال على “الأرض الباردة”، بلا مقاعد أو طاولات، يحاولون التمسك بالقلم وسط ضجيج الطائرات المسيرة. هذه المساحات، رغم فقرها، تظل الخيط الأخير الذي يربطهم بمفهوم “الاستقرار” المفقود.
د. سهى شعث: الجرس الذي توقف عن الرنين
تستذكر الدكتورة سهى شعث ملامح غزة “الصوتية” قبل الكارثة، فتقول: “أحنُّ إلى صوت طابور الصباح، وصوت حرس المدرسة وهو يفتح الأبواب لبداية يوم جديد. كانت تلك الأصوات تمنحنا روتيناً آمناً”.
وتشير شعث إلى أن “جرس الباب” الذي كان أمراً عادياً، صار اليوم حلماً؛ في ظل انقطاع الكهرباء التام، أصبح كل صوت بسيط، كطرق الباب باليد، يحمل دلالات عميقة وتساؤلات قلقة عمن يطرق ومن بقي على قيد الحياة.
سياسة “التعطيش” ونسف المربعات السكنية: خروقاتٌ تقتل الأمل
بينما يحاول السكان استرجاع أنفاسهم، تأتي تقارير الدفاع المدني والجهات الحقوقية لتؤكد أن الحرب لم تنتهِ فعلياً برغم “اتفاقيات وقف إطلاق النار”. فقد رصد المكتب الإعلامي الحكومي أكثر من 738 خرقاً إسرائيلياً، شملت عمليات قنص مباشرة، وتوغل للآليات، ونسفاً للمربعات السكنية.
علاوة على ذلك، حذر المقرّر الأممي الخاص، بيدرو أروجو أغودو، من استخدام “التعطيش” كسلاح حرب، مؤكداً تدمير 90% من محطات المياه في القطاع، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام كارثة صحية، وانتشار الأوبئة مثل الكوليرا، نتيجة تلوث المياه الصالحة للشرب.
عاهد الريس: حين يغيب صوت الأخ يغيب الوطن
يعبر عاهد الريس عن مأساته الشخصية التي هي جزء من مأساة عامة، قائلاً: “فقدت أخي ورفيق دربي. كان يوقظني كل صباح بصوته العالي وهو ينادي عليّ من بيته المجاور. اليوم، الصمت الذي تركه أخي في أذني أشد وطأة من دمار المنازل والشركات التي كنا نملكها”.
ويصف الريس تحول “أصحاب العقارات والفلل” إلى نازحين في خيام لا تقي من برد الشتاء، مشيراً إلى أن الرياح والأمطار جرفت مؤخراً ما تبقى من ستر لهؤلاء المنكوبين.
أماني أم يزن وروند التتر: حكايات الحارات الضائعة
تتحدث أماني أم يزن عن “نزيف الصمت” في قلوب الصغار؛ فأطفال غزة لم يعودوا يلمعون بالبراءة نفسها. “الحرب سرقت ضحكاتهم، وحولتها إلى فزع دائم”. فيما تحن روند التتر إلى أصوات “لعبة القلول” في الحارة، وصوت بائع الكعك، مؤكدة أن غياب هذه الأصوات ليس فراغاً عادياً، بل هو “وجع مكان كان مليئاً بالحياة وأصبح جثة هامدة”.
كارثة بيئية تزحف: نفايات وركام يغطون ملامح الأرض
لم تكتفِ الحرب بتدمير البشر والحجر، بل امتدت لتطال “رئة المدينة”. أعلنت بلديات غزة وخان يونس عن تدمير 90% من الغطاء النباتي، وتراكم أكثر من 260 ألف طن من النفايات في الشوارع نتيجة تدمير 85% من معدات النظافة. هذا التراكم ينذر بكارثة وبائية تهدد حياة النازحين الذين يتكدسون في مراكز الإيواء.
بسمة أبو شهلا: البيت الذي يقف على قلبه
تختتم بسمة أبو شهلا هذا السرد الحزين بوصف دقيق لحال الناجين: “نحن نعيش في ثقب صغير بالجدار، لا هو نجاة ولا هو هلاك. أخفينا وجعنا لعامين حتى صار الحزن جزءاً من أجسادنا، يظهر في انحناءة الكتف ورعشة اليد”. تصف بسمة بيتها الذي كان ملاذاً دافئاً، والآن تراه واقفاً “لا ينهار ولا يطمئن”، ينتظر أهلاً قد لا يعودون أبداً.
الخلاصة: غزة اليوم لا تبكي منازلها المدمرة فحسب، بل تبكي “هويتها الصوتية” ومعاني الانتماء التي سحقتها الحرب. إنها مدينة تهمس أكثر مما تتحدث، وتنتظر يوماً تجد فيه الحياة طريقاً لتعود وتتكلم من جديد، بعيداً عن صدى الانفجارات وصمت المقابر.



