يوسف زيدان.. مفكر مثير للجدل بين التجديد والتشكيك

كتبت/ هالة الدكروري
يُعدّ يوسف زيدان واحدًا من أكثر الشخصيات الفكرية إثارةً للجدل في العالم العربي، فمؤلفاته تتصدر قوائم الأكثر مبيعًا، وتُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية، إلا أن رؤيته الفلسفية وقراءته الخاصة للتاريخ والدين الإسلامي والمسيحي خلقت عواصف فكرية أثارت استنكار المؤسسات الدينية، وأشعلت موجات غضب واسعة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
البعض يراه مفكرًا ومجددًا يسعى إلى تفكيك النصوص وإعادة قراءتها وفق منظور جديد، بينما يراه آخرون مدعيًا للتجديد، يحمل أفكارًا تتنافى مع العقيدة الإسلامية وتخالف الشريعة تحت شعار التنوير والتحديث الديني.
نشأة يوسف زيدان ورحلته في الفكر والفلسفة
وُلد يوسف زيدان في 30 يونيو 1958 بقرية العوامية في محافظة سوهاج بصعيد مصر، وانتقل في طفولته إلى مدينة الإسكندرية حيث نشأ وتلقى تعليمه. التحق بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية ودرس الفلسفة، ثم واصل مسيرته العلمية ليحصل على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية برسالة تناولت الفكر الصوفي عند عبد الكريم الجيلي. لم يكتفِ بذلك، بل حصل على درجة الدكتوراه عام 1989 في التصوف الإسلامي، ثم درجة الأستاذية عام 1999، ليصبح واحدًا من أبرز المتخصصين في التراث الإسلامي والتصوف.
إلى جانب عمله الأكاديمي، شغل زيدان منصب رئيس قسم المخطوطات في مكتبة الإسكندرية عام 1994، لكن مسيرته الوظيفية هناك لم تدم طويلًا، إذ فُصل من عمله عقب خلاف حاد مع الدكتور إسماعيل سراج الدين، مدير المكتبة آنذاك، وهو ما فتح باب التكهنات حول طبيعة الصراع بين الطرفين.
مؤلفاته بين التصوف والفكر الفلسفي والتاريخي
يمتلك زيدان إرثًا أدبيًا وفكريًا متنوعًا، إذ كتب في مجالات مختلفة مثل التصوف والفلسفة الإسلامية وتاريخ العلوم والرواية. تناول التصوف الفلسفي في مؤلفاته، ومن أبرزها:
عبد الكريم الجيلي فيلسوف الصوفية
الفكر الصوفي عند عبد الكريم الجيلي
شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي
الطريق الصوفي وفروع القادرية بمصر
كما اهتم بتاريخ الطب العربي وأصدر دراسات وتحقيقات حول ابن النفيس وأبقراط، إضافةً إلى رواياته التي لاقت شهرةً واسعة، وعلى رأسها عزازيل التي تُرجمت إلى عدة لغات وحصلت على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009، وحققت أرقام مبيعات قياسية.
من أعماله الأخرى:
ظل الأفعى
النبطي
محال
جوانتانامو
فردقان: اعتقال الشيخ الرئيس
فقه الحب
جدل لا ينتهي.. بين دعم المفكرين وهجوم المؤسسات الدينية
رغم إنجازاته الفكرية، إلا أن يوسف زيدان لم يسلم من موجات الانتقاد والهجوم، سواء من المؤسسات الدينية أو من المفكرين أنفسهم. أثارت آراؤه حول التاريخ الإسلامي والمسيحي، والتشكيك في بعض المعتقدات الدينية، غضب المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
في عام 2017، فجّر زيدان أزمة كبرى بتشكيكه في حادثة الإسراء والمعراج، معتبرًا أنها “اختراع من القصاصين”، وهو ما اعتبره رجال الدين تطاولًا على الثوابت الإسلامية. كما أثارت قراءته الخاصة لشخصية صلاح الدين الأيوبي زوبعة إعلامية، بعدما وصفه بأنه “من أحقر الشخصيات في التاريخ”، معتبرًا أن ما يُروى عنه مجرد أساطير لا تمت للواقع بصلة، وهو ما دفع الأزهر الشريف ودار الإفتاء إلى الرد عليه، واتهامه بتشويه الحقائق التاريخية.
تناقضات فكرية واتهامات بالإلحاد
المثير للجدل في مسيرة زيدان الفكرية هو تناقضاته المستمرة، فقد هاجم علماء الدين واعتبرهم مسؤولين عن تأجيج العنف والتطرف، لكنه في الوقت ذاته دافع عن شخصيات مثل ابن تيمية، رغم أنه يُعد من أبرز رموز الفكر الديني التقليدي. كما استمر في تصدير نفسه باعتباره مفكرًا عقلانيًا يرفض الغيبيات، لكنه كتب في التصوف، الذي يقوم على البعد الروحي والميتافيزيقي.
ختامًا.. بين الهجوم والتقدير
لا يزال يوسف زيدان شخصية إشكالية بين من يراه مفكرًا مستنيرًا يسعى إلى إعادة قراءة التراث، ومن يعتبره صاحب أفكار هدامة تهدف إلى التشكيك في العقائد الدينية والتاريخ الإسلامي. في كل الأحوال، لا يمكن إنكار تأثيره الكبير على الفكر العربي المعاصر، حيث نجح في تحريك المياه الراكدة وإثارة النقاشات حول قضايا مسكوت عنها لعقود طويلة. فهل سيظل الجدل حوله مستمرًا، أم أن المستقبل سيحمل مفاجآت أخرى في مسيرته الفكرية؟