تقارير وتحليلات

من إمبراطورية “الخرسانة” إلى دهاليز السياسة.. ستيف ويتكوف “مهندس صفقات” ترامب الذي يمسك بخيوط الشرق الأوسط

 

في ؤون الدوليةعالم لا يعترف كثيراً بالصدف، وحيث تتقاطع مصالح أباطرة المال بنفوذ قادة العالم، تبرز شخصية الملياردير اليهودي ستيف ويتكوف كأحد أقوى اللاعبين في “الدائرة الذهبية” المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ولم يكن تعيينه في الثاني عشر من نوفمبر 2024 مبعوثاً خاصاً للشرق الأوسط مجرد قرار إداري روتيني، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن انتقال إدارة الدبلوماسية الأمريكية من أيدي السياسيين التقليديين إلى أيدي “رجال الصفقات” الذين يتقنون لغة الأرقام والمصالح قبل لغة البيانات والبروتوكولات.

يتساءل الكثيرون: كيف لرجل قضى حياته بين ناطحات السحاب وملاعب الجولف أن يدير ملفات بليغة التعقيد مثل النووي الإيراني أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ الإجابة تكمن في رحلة صعود ويتكوف، التي تبدو وكأنها فيلم سينمائي يمزج بين الكفاح، الطموح، والظلال الغامضة التي تلاحق الأثرياء خلف الستار.

قصة الصعود: من “قمصان الخصومات” إلى ناطحات سحاب مانهاتن
لم يولد ويتكوف وفي فمه ملعقة من ذهب؛ بل خرج من رحم الطبقة العاملة في نيويورك عام 1957. والده كان عاملاً بسيطاً يحيك معاطف النساء، وهي نشأة يفتخر بها ويتكوف اليوم ليؤكد أنه “ابن الجهود الذاتية”.

وفي بداياته، كان يرتدي قمصاناً مهترئة يشتريها من المتاجر المخفضة، لكن طموحه كان يتجاوز حدود الحياكة والخيوط؛ فدرس العلوم السياسية والقانون، ليبدأ رحلته في عالم المحاماة العقارية، وهناك التقى بزبونه الدائم وصديق عمره المستقبلي: دونالد ترامب.

على مدار عقود، توطدت العلاقة بين الرجلين؛ لم تكن مجرد علاقة عمل، بل شراكة في الرؤية والأسلوب.

وأسس ويتكوف “مجموعة ويتكوف العقارية” في التسعينيات، ونجح في تشييد وإدارة أكثر من 70 عقاراً من أفخم المباني في الولايات المتحدة وخارجها، متجاوزاً أزمات اقتصادية طاحنة كادت تعصف بإمبراطوريته، ليصبح “الوجه الموثوق” لترامب في عالم المال.

دبلوماسية “الجولف” وصلاحيات الرؤساء
ما يثير الجدل في الأوساط السياسية بواشنطن ليس ثراء ويتكوف، بل “سلطته المطلقة” التي منحه إياها ترامب، وهي سلطة يصفها البعض بأنها “تشبه سلطة الرؤساء”.

ويتكوف لا يمتلك أي خبرة دبلوماسية سابقة، ولم يشغل منصباً سياسياً قط، إلا أن رصيده الحقيقي هو “الثقة العمياء” التي يوليها له ترامب.

ويرى موقع “هو وات واي” الأمريكي أن تولي ويتكوف لملفات حساسة كالملف النووي الإيراني أو الحرب الروسية الأوكرانية يتناقض مع المنطق الدبلوماسي، لكنه يتسق تماماً مع منطق ترامب الذي يفضل “الأصدقاء المميزين” على الخبراء البيروقراطيين.

ولعب ويتكوف دوراً محورياً في تأسيس شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال” للعملات المشفرة المملوكة لعائلة ترامب، وهو ما يفسره البعض بأنه “عربون الولاء” الذي فتح له أبواب السطوة السياسية على مصراعيها.

الظلال الروسية: لغز “القيادي جولوبتشيك” وبرج ترامب
لا تخلو مسيرة ويتكوف من “فصول غامضة” تثير شهية الصحافة الاستقصائية. التقارير تشير إلى ارتباط اسمه في عام 2013 بأناتولي جولوبتشيك، أحد الشخصيات القيادية في المافيا الروسية، والذي أدين بإدارة شبكات مراهنات وغسيل أموال وقمار عالية المخاطر كانت تعمل انطلاقاً من “برج ترامب” ذاته.

ورغم أن المتحدث باسم ويتكوف صرح لاحقاً بأن العلاقة كانت “سطحية”، إلا أن كتاب “بيت ترامب، بيت بوتين” قدم تحقيقاً كشف فيه عن شبكة علاقات معقدة دامت عقوداً، ربطت بين رجال أعمال في دائرة ترامب وشخصيات مريبة، مما يضع المبعوث الجديد في موقف تساؤل دائم حول مدى تأثير هذه العلاقات القديمة على قراراته السياسية الحالية، خاصة في ملفات حساسة تتعلق بروسيا.

المحامي الأشرس لليمين الصهيوني
في منطقة الشرق الأوسط، يمتلك ويتكوف رؤية واضحة ومنحازة تماماً؛ فهو يُعد من أبرز الداعمين لسياسات الاحتلال الإسرائيلي واليمين الصهيوني.

وفي ولاية ترامب الأولى، كان ويتكوف “المصفق الأول” لقرارات الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والسيادة على الجولان المحتل، كما كان من أشد المؤيدين لتخفيض المساعدات الأمريكية للفلسطينيين.

نشاط ويتكوف لا يتوقف عند الدعم المعنوي؛ فهو جزء فاعل من “الآلة الدعائية” الصهيونية في أمريكا، ومحرك أساسي في جمع التبرعات من خلال اللوبي اليهودي. حضوره لخطاب نتنياهو في الكونجرس في يوليو 2024، وظهوره مع جاريد كوشنر وهما يؤديان طقوساً أمام “حائط المبكى”، يعطي إشارة واضحة بأن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحت إشرافه ستكون أكثر انحيازاً لليمين الإسرائيلي من أي وقت مضى.

الخلاصة: هل تنجح عقلية “الصفقات” حيث فشل السياسيون؟
يقف ستيف ويتكوف اليوم في مواجهة اختبار تاريخي؛ فإما أن ينجح بعقليته “العقارية” في فرض تسويات جديدة تحت شعار “المال مقابل السلام”، أو أن تصطدم طموحاته بتعقيدات الواقع السياسي الذي لا يمكن حله دائماً بـ”توقيع عقد” أو “مصافحة في ملعب جولف”.

بين ماضٍ يلاحقه بشبهات المافيا الروسية، وحاضر يمنحه نفوذاً يمتد من واشنطن إلى طهران، يبقى ويتكوف “الرجل اللغز” الذي قد يغير وجه الشرق الأوسط، أو يكون العنوان الأبرز لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الأمريكية التي تُدار بعيداً عن الأضواء الرسمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى