مصر والصومال.. شراكة استراتيجية لحماية “القرن الأفريقي” وتأمين البحر الأحمر ودعم عسكري مرتقب

في قمة دبلوماسية رفيعة المستوى تعكس عمق الروابط التاريخية والتحول النوعي في العلاقات المصرية الأفريقية، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، نظيره الصومالي الدكتور حسن شيخ محمود، رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية الشقيقة، في زيارة رسمية وصفت بأنها “زيارة الحسم” لملفات الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
بدأت مراسم الاستقبال الرسمية في قصر الاتحادية بوقار مهيب، حيث استعرض الرئيسان حرس الشرف، وعُزف السلام الوطني للبلدين، في إشارة بروتوكولية واضحة على “الندية والتقدير” والاعتراف المتبادل بالسيادة الكاملة.
وعقب التقاط الصور التذكارية، انطلقت جلسة مباحثات ثنائية مغلقة، تلتها جلسة موسعة بحضور وفدي البلدين، لتنتهي القمة بمأدبة غداء رسمية أقامها الرئيس السيسي تكريماً للضيف الصومالي والوفد المرافق له، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من العمل المشترك.
وحدة الصومال وسيادته.. خط أحمر مصري
خلال المحادثات، وضع الرئيس السيسي النقاط على الحروف فيما يخص التوترات الإقليمية في القرن الأفريقي؛ حيث جدد “موقف مصر الثابت” الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه.
ولم يكن التصريح مجرد كلمات ديبلوماسية، بل تضمن تحذيراً شديد اللهجة من أي إجراءات قد تمس استقرار وسيادة الدولة الصومالية، مشدداً على أن أي اعتراف باستقلال أي جزء من الإقليم الصومالي هو “انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة” وقواعد القانون الدولي، واصفاً إياه بـ “السابقة الخطيرة” التي تهدد أمن الإقليم بأسره.
من جانبه، ثمن الرئيس الصومالي الدكتور حسن شيخ محمود هذا الموقف المصري الحاسم، مؤكداً أن الصومال ينظر إلى مصر باعتبارها “الشقيق الأكبر” والضامن الأساسي للاستقرار في المنطقة، مشيداً بجهود القاهرة في تعزيز الأمن الإقليمي، ومعبراً عن حرص مقديشو على التنسيق الكامل مع القيادة المصرية في كافة الملفات التي تخدم الأمن القومي المشترك.
تفعيل الشراكة الاستراتيجية و”الاقتصاد الأخضر”
انتقلت المباحثات إلى الجانب التنفيذي، حيث أكد الرئيس السيسي على ضرورة تفعيل “إعلان الشراكة الاستراتيجية” الموقع بين البلدين في يناير 2025. وتناول الجانبان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، مع التركيز على استغلال “الربط الجوي والبحري” المباشر بين القاهرة ومقديشو لفتح آفاق جديدة للمصدرين والمستثمرين من الجانبين.
وفي لفتة إنسانية وتنموية، أعلن الرئيس السيسي عن اعتزام مصر إرسال “قافلة طبية مصرية” إلى الصومال في وقت قريب جداً، تضم تخصصات طبية متنوعة لتلبية احتياجات الشعب الصومالي الشقيق.
كما شدد على استعداد مصر لتقديم الدعم الفني وبناء القدرات عبر برامج “الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية”، لتأهيل الكوادر الصومالية في مجالات الإدارة والتعليم والتنمية، وهو ما لاقى تقديراً كبيراً من الجانب الصومالي الذي يطمح للاستفادة من الخبرات المصرية العريقة في إعادة بناء مؤسسات الدولة.
التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب
لم يغب الملف الأمني والعسكري عن طاولة القمة؛ حيث بحث الجانبان سبل مواجهة آفة الإرهاب التي تهدد استقرار الصومال. وأكد الرئيس السيسي وضع كافة “الخبرات والإمكانات المصرية” تحت تصرف الصومال، إيماناً بأن مواجهة الإرهاب تتطلب “مقاربة شاملة” ومؤسسات وطنية قوية.
وفي خطوة عملية هامة، أعلن الرئيس السيسي أن مصر “ماضية في استكمال نشر قواتها” ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، مؤكداً التزام مصر القوي تجاه القارة الأفريقية وحرصها على تحقيق الأمن في كافة ربوع الصومال، ليكون الصوماليون قادرين على حماية مقدراتهم الوطنية بأنفسهم.
تأمين البحر الأحمر.. مسؤولية “أهل الدار”
شهدت المباحثات توافقاً استراتيجياً كبيراً حول ملف “أمن الملاحة البحرية”؛ حيث شدد الزعيمان على أن مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن تقع “حصرياً” على عاتق الدول المشاطئة لهما.
وأشار الرئيس السيسي إلى الموقع الفريد لمصر والصومال على المدخلين الشمالي والجنوبي للبحر الأحمر، مما يفرض عليهما دوراً محورياً في حماية حركة التجارة العالمية واستقرار هذا الشريان الملاحي الهام بعيداً عن التدخلات الخارجية التي قد تزيد من التوتر.
رسائل المؤتمر الصحفي الختامي
في كلمته خلال المؤتمر الصحفي، أعرب الرئيس السيسي عن سعادته بزيارة “ضيف عزيز في بلده الثاني مصر”، مشيداً بتنامي وتيرة الزيارات رفيعة المستوى التي تعكس “عمق وخصوصية العلاقات التاريخية”. وأكد الرئيس أن الزخم الحالي يهدف ليس فقط للارتقاء بالعلاقات الثنائية، بل لضمان “عدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري” ودعم استقرار القرن الأفريقي.
واختتم الرئيس كلمته برسالة قوية قائلاً: “مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال”، مؤكداً أن القاهرة لن تتوانى عن تقديم كل ما يلزم لتعزيز أمن واستقرار الصومال والبحر الأحمر.
ومن جانبه، جدد الرئيس حسن شيخ محمود شكره للقيادة المصرية، مؤكداً أن الصومال يمضي قدماً في طريق التنمية والازدهار بدعم من أشقائه المخلصين، وفي مقدمتهم مصر.



