السفير سامح أبو العينين يكتب: الاتجاهات الرئيسية في أمريكا اللاتينية ومستقبل علاقات مصر مع المنطقة

تستدعي التطورات الحالية في فنزويلا إجراء فحصٍ متعدد التخصصات، وبحثٍ وتحليلٍ استراتيجي للقارة بشكل أكثر دقة، فضلاً عن تأملات جوهرية معاصرة حول سيناريوهات مختلفة تتعلق بالتداعيات المحتملة على مناطق حيوية أخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط.
تشهد أمريكا اللاتينية تحولات هيكلية متعددة الأبعاد —سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية— تُعيد تشكيل موقعها ضمن النظام الدولي. وقد أتاحت هذه التحولات مجالاً جديداً لإعادة صياغة العلاقات خارج الإطار الأطلسي التقليدي، وتحديداً تجاه الشرق الأوسط وأفريقيا ومصر. ولا يقتصر فحص هذه الاتجاهات على مجرد تتبع التغيرات الخارجية، بل هو وسيلة لفهم كيف يمكن لجسر جيوسياسي كمصر أن يُقيم شراكات تُعزز المصالح المشتركة والتنويع الاقتصادي.
يتناول هذا التحليل ثلاثة أبعاد مترابطة: البيئة الداخلية لأمريكا اللاتينية والقيود الهيكلية؛ والإطار الجيوسياسي الخارجي ودور التكتلات الإقليمية؛ والمسارات العملية لتعزيز التعاون العربي اللاتيني الأمريكي من منظور مصري.
المزايا والقيود الهيكلية
يُبرز استعراض المنطقة أن أمريكا اللاتينية تتمتع بمزايا كبيرة، رغم وجود تحديات متجذرة تحدّ من قدرتها على تحويل إمكاناتها بالكامل إلى نتائج مستدامة. ومن أبرز هذه المزايا ثرواتها الطبيعية الهائلة؛ إذ تُصنّف المنطقة ضمن أبرز مُصدّري الحبوب واللحوم والزيوت النباتية في العالم، كما تمتلك احتياطيات كبيرة من المعادن الأساسية مثل الليثيوم والنحاس، مما يجعلها فاعلاً محورياً في سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والتحولات التكنولوجية. في الوقت نفسه، شهدت العديد من الدول نمواً في طبقاتها المتوسطة وارتفاعاً في الطلب المحلي، وهذا الدور المزدوج —كمُورّد ومُستهلك في آنٍ واحد— يُعزز جاذبيتها كشريك اقتصادي طويل الأجل.
ومع ذلك، تتعايش هذه المزايا مع قيود هيكلية أدت إلى تباطؤ النمو منذ نهاية طفرة السلع الأساسية. وتعود معوقات النمو في المقام الأول إلى عوامل داخلية، منها انخفاض معدلات الادخار (التي تحوم حول 24% من الناتج المحلي الإجمالي) مما يزيد الاعتماد على التمويل الخارجي، في حين لا تزال الفوارق قائمة في الابتكار والكفاءة الإنتاجية. وفي بعض البلدان، تزامن التحرير الاقتصادي مع انخفاض إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية؛ ونتيجة لذلك، يبقى النمو محدوداً وهشاً، مما يقلص العوائد التنموية للشراكات الخارجية ما لم تصاحبها إصلاحات تعزز القيمة المضافة.
التحولات الجيوسياسية والتنافس الدولي
يتطلب فهم العلاقات الخارجية لأمريكا اللاتينية الاهتمام بالتحولات الجيوسياسية والدور المتطور للتكتلات الإقليمية. سياسياً، تشهد المنطقة تقلبات تتسم بتيارات يسارية معتدلة، وديناميكيات ديمقراطية متجددة، وعودة ظهور تيارات شعبوية. تُؤثر هذه التحولات على مناخ الاستثمار؛ إذ يُمكن أن تُؤدي التغييرات التشريعية المفاجئة أو عدم الاستقرار المؤسسي إلى تعطيل الاتفاقيات طويلة الأجل. كما تُزيد التحديات الأمنية، بما في ذلك الجريمة المنظمة والتهريب، من تعقيد المشهد وتُؤكد على أهمية المشاركة المدروسة.
خارجياً، تُعدّ أمريكا اللاتينية ساحةً مفتوحةً على نحو متزايد للمصالح العالمية، حيث اشتدّ التنافس بين القوى الكبرى؛ فبينما تسعى الولايات المتحدة وروسيا إلى الحفاظ على نفوذهما، تواصل الصين تعزيز وجودها الاقتصادي عبر البنية التحتية والممرات التجارية، لا سيما حول قناة بنما. وإلى جانب هذه الديناميكيات، وسّعت جهات فاعلة مثل إسرائيل وتركيا نطاق نفوذها، وهي بيئة مزدحمة تُشكّل التوجهات الوطنية ولها تداعيات أوسع على التنمية والسلام والأمن العالميين.
الدور المصري والشراكة مع “ميركوسور”
في هذا السياق، تُمكّن السياسة الخارجية المتوازنة لمصر من العمل كشريك بنّاء. ويُقدّم انخراط مصر، القائم على التعاون التنموي والتبادل الثقافي والشراكة الاقتصادية، بديلاً عن التنافس الحاد بين القوى العظمى. ومن خلال أطر التعاون بين بلدان الجنوب، تُقيم القاهرة علاقات مع دول أمريكا اللاتينية على أساس الثقة والمصالح المشتركة، وقد انعكس هذا النهج في الدعم المتعدد الأطراف لمواقف مصر في المحافل الدولية، بما في ذلك “اليونسكو”.
تُساهم التكتلات الاقتصادية الإقليمية في تشكيل هذا المناخ، وتبرز “ميركوسور” —التي تضم البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي— كحالة محورية. وبالنسبة لمصر، تُمثل الشراكة مع “ميركوسور” نموذجاً ناضجاً للتعاون؛ حيث يهدف اتفاق التجارة الحرة (دخل حيز التنفيذ عام 2017) إلى إزالة الرسوم الجمركية عن أكثر من 90% من السلع المتداولة، وتعميق التعاون الصناعي من الزراعة إلى الأجهزة الكهربائية. وقد عزز الاتفاق الصادرات المصرية بشكل ملحوظ، لا سيما في قطاعي الكيماويات والأسمدة. وتتطلب المرحلة التالية تعزيز التنسيق لتقوية الخدمات اللوجستية وتعميق الروابط بين مجتمعات الأعمال عبر آليات مؤسسية مثل المكتب الإقليمي للغرفة التجارية العربية البرازيلية في القاهرة.
القوة الناعمة والآفاق المستقبلية
إلى جانب التجارة، وسّعت مصر نطاق الحوار عبر عضويتها الدائمة كـ “مراقب” في منظمة الدول الأمريكية منذ عام 1977، مما يُسهّل المشاركة في قضايا التنمية والعمل المناخي، ويُعزز دورها كجسر بين أفريقيا والأمريكتين عبر قناة السويس. ويُكمّل هذا التعاون “القوة الناعمة” للجالية العربية في الخارج، التي تُقدّر بأكثر من 11 مليون نسمة.
كما أضافت التحولات الجيواقتصادية بُعداً آخر من خلال مجموعة “بريكس”. وبالنسبة لمصر، تتطلب المشاركة الحذر لتجنب تعزيز العلاقات القائمة على المواد الخام فقط، مع إعطاء الأولوية للتعاون القائم على القيمة المضافة. وتنسجم المناقشات حول إنشاء منطقة لوجستية برازيلية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مع هدف مصر في ترسيخ مكانتها كحلقة وصل عالمية.
ختاماً، يتطلب تعزيز التعاون العربي اللاتيني حواراً متجدداً وأطراً مؤسسية راسخة. ومن شأن تجديد الاجتماعات الوزارية، وتوسيع نطاق غرف التجارة المشتركة، وترسيخ التعاون من خلال “قمة عربية لاتينية”، أن يوفر البنية اللازمة لبناء شراكة مستدامة تحقق فوائد ملموسة للطرفين في ظل نظام عالمي متغير.
________________________________________
السفير سامح أبو العينين أستاذ العلاقات الدولية في كلية جنيف للدبلوماسية وعضو في المجلس المصري للشؤون الخارجية.



