تقارير وتحليلات

مستشار ترامب ومهندس حروبه السرية.. الجنرال دان كين يحطم تقاليد الجيش الأمريكي ليقود خطة تصفية القيادة الإيرانية

مخطئ من يعتقد أن في مقدور رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، الوقوف في وجه العواصف التي يثيرها الرئيس دونالد ترامب في بحثه الدائم عن إشعال فتيل الحروب، رغم تدثره بقناع “صانع السلام”؛ فالجنرال الذي استُدعي من تقاعده ليعتلي أحد أرفع المناصب العسكرية في العالم، اختار منذ اللحظة الأولى نهج الولاء المطلق، نادراً ما يفصح عن آرائه الشخصية، وملتزماً بتنفيذ سياسات البيت الأبيض مهما بلغت درجة خطورتها.

هذا الطيار المقاتل السابق، الذي شق سماء المعارك على متن طائرات “إف-16″، وعمل ضابط اتصال في دهاليز وكالة الاستخبارات المركزية، يبدو اليوم منفذاً طيعاً لكل ما يطمح إليه ترامب؛ فبينما يضغط الأخير لوضع خطط عسكرية شاملة تبدأ من استهداف منشآت الصواريخ والبرنامج النووي الإيراني، وتنتهي بالقضاء على القيادة العليا في طهران كوسيلة لإجبار النظام على التغيير، يقف كين ببرود “المهندس” ليصيغ هذه التطلعات في قوالب عملياتية، دون أن يجرؤ على إبداء معارضة علنية قد تكلفه منصبه.

لقد عُرف الجنرال كين في الأوساط العسكرية باسم “رازين”، وهو اللقب الذي اقترن بدوره كمهندس فعلي لعملية الخداع والتضليل الكبرى خلال حرب الـ12 يوماً التي شنتها واشنطن بالتعاون مع إسرائيل ضد إيران؛ حيث سعى خلال تلك المواجهة لاستعراض عضلات الردع الأمريكي، مراهناً على قدرات القاذفات الشبحية “بي 2” والقنابل الخارقة للتحصينات لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية معقدة، وهو ما عزز من مكانته لدى ترامب كرجل لا يعرف المستحيل.

ورغم ما يتردد عن همسات خلف الأبواب المغلقة بشأن مخاوفه من تعقيد المهمة أو احتمالية وقوع خسائر بشرية أمريكية هائلة، إلا أن كين يدرك جيداً قوانين “مملكة الدم”؛ فهو يعلم أن من يرفع صوته بالمعارضة يجد نفسه خارج الدائرة، تماماً كما حدث مع مدير هيئة الأركان فريد كاتشر، الذي أطاح به ترامب اليوم بعد أقل من ثلاثة أشهر من تكليفه، دون النظر إلى خبرته الكبيرة في التعامل مع مناطق التوتر الحيوية في آسيا والمحيط الهندي.

وتشير التقارير إلى أن كين وضع نصب عينيه تجنب ما يعتبره أخطاء سلفه الجنرال “مارك ميلي”، الذي اشتهر بتصادمه المباشر مع ترامب؛ فبينما كان ميلي يسعى أحياناً لطمأنة الحلفاء والخصوم بفرملة خطابات ترامب التحريضية، يتبع كين نهجاً يقوم على التوازن الدقيق لتجنب الصدام مع رئيس متقلب المزاج، مفضلاً تقديم “التوجيه الاحترافي” الذي يتماشى مع هوى القائد الأعلى، بل إنه سعى لتأمين مكتب دائم له داخل البيت الأبيض ليكون على مقربة من الرئيس باستمرار.

لقد جاء تعيين كين في فبراير 2025 بمثابة زلزال في تقاليد القيادة العسكرية؛ فهو أول رئيس لهيئة الأركان لم يسبق له شغل رتبة جنرال بأربع نجوم، وهو ما استدعى من ترامب استغلال ثغرات قانونية للتنازل عن الشروط الفيدرالية من أجل عيون جنراله المفضل؛ ورغم اتهامات المنتقدين بتسييس الجيش، إلا أن ترامب يرى فيه المقاتل الحقيقي الذي يمتلك خبرة ميدانية واسعة في العمليات الخاصة والاستخباراتية، بعيداً عن القيادات التقليدية التي يصفها بـ “جنرالات التلفزيون”.

تعود جذور هذه العلاقة الاستثنائية إلى لقاء في العراق عام 2018، حين كان كين نائباً لقائد قوة العمليات الخاصة لمحاربة “داعش”؛ آنذاك، ألقى كين بوعده الذي لم ينسه ترامب أبداً، مؤكداً إمكانية سحق التنظيم الإرهابي في أسبوع واحد وليس في عامين؛ تلك اللحظة كانت بوابة العبور لقلب الرئيس، ليرد عليه كين بعبارة لخصت عقيدته الجديدة: “أحبك يا سيدي، وأعتقد أنك رئيس رائع، وسأقتل من أجلك”.

اليوم، ومع تصاعد التوترات في مضيق هرمز وبحر عمان، يبرز دان كين ليس فقط كقائد عسكري، بل كخادم أمين لسياسات ترامب التوسعية، موظفاً خبراته في عالم الجاسوسية والعمليات السرية لتنفيذ أجندة قد تغير وجه المنطقة؛ إن الصمت الذي يلف تحركات كين هو في الحقيقة “هدوء ما قبل العاصفة”، حيث يخطط “رجل الرئيس” لضربة قد تنهي حقبة بأكملها، في وقت يتساءل فيه العالم: هل يقود كين الجيش الأمريكي نحو النصر السهل، أم نحو مواجهة كبرى لا تبقي ولا تذر؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى