تقارير وتحليلات

مرافعة تاريخية في قضية احتكار الدواجن.. النيابة العامة تطالب بأقصى العقوبات وتكشف “تلاعبًا ممنهجًا” في السوق

 

في واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية إثارة للجدل، شهدت القضية رقم 5122 لسنة 2024، المعروفة إعلاميًا بـ«قضية احتكار سوق الدواجن البيضاء»، مرافعة مطولة وحاسمة من النيابة العامة المصرية، طالبت خلالها بتوقيع أقصى العقوبات المقررة قانونًا على المتهمين، بعد ثبوت تورطهم في ممارسات احتكارية استهدفت التأثير المباشر على أسعار السلع الأساسية للمواطنين.

وأكدت النيابة، خلال مرافعتها أمام المحكمة الاقتصادية، أن ما تم رصده في القضية لا يندرج ضمن تقلبات السوق الطبيعية، وإنما يعكس — وفقًا للتحليل الفني والإحصائي — «نمطًا متكررًا من التوازي غير المبرر في الأسعار المعلنة»، وهو ما يشير بوضوح إلى وجود تنسيق مسبق بين المتهمين.

مخطط منظم لتعطيل آليات السوق

وكشفت النيابة أن التحقيقات أثبتت وجود شبكة من السماسرة والتجار عملت على تعطيل آليات العرض والطلب داخل سوق الدواجن البيضاء، وتحويله إلى بيئة تحكمها اتفاقات غير مشروعة، استهدفت رفع الأسعار أو تثبيتها بشكل مصطنع بعيدًا عن أي منطق اقتصادي أو إنتاجي.

وأشارت إلى أن هذا السلوك أدى إلى الإضرار المباشر بالمستهلكين، وخلق حالة من التشوه في السوق، انعكست على القدرة الشرائية للأسر المصرية، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من المواطنين على الدواجن كسلعة أساسية.

تحليل رقمي يكشف التوازي في الأسعار

وبحسب ما عرضته النيابة، فإن دراسة فنية واقتصادية متخصصة، مدعومة بتحليل إحصائي دقيق لبيانات التسعير وحركة التداول خلال فترة الفحص، كشفت عن وجود ارتباط قوي ومتكرر بين الأسعار التي أعلنها المتهمون.

وأكدت النيابة أن هذا الترابط في حركة الأسعار لم يكن عشوائيًا، بل جاء متسقًا عبر فترات زمنية ممتدة، وبدرجة لا يمكن تفسيرها باختلاف تكاليف الإنتاج أو العوامل الجغرافية، مما يعزز فرضية وجود اتفاقات مسبقة بين الأطراف المعنية.

إخلال جسيم بحرية المنافسة

وشددت النيابة على أن تلك الممارسات أدت إلى إخلال جسيم بمبدأ حرية المنافسة، وإضعاف آليات السوق الحرة، بما أضر بمناخ الاستثمار في قطاع غذائي حيوي، يعتمد عليه ملايين المواطنين يوميًا.

وأكدت أن هذه الأفعال تمثل مخالفة صريحة لأحكام قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وتشكل خطرًا مباشرًا على استقرار الأسواق.

دور جهاز حماية المنافسة

وجاء تحريك القضية بناءً على بلاغ مقدم من جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، الذي رصد وجود شبهة اتفاقات بين عدد من المتعاملين في سوق الدواجن، بهدف التأثير على الأسعار المتداولة وخلق حالة من التحكم غير المشروع في السوق.

وقد دعمت التحقيقات هذا البلاغ من خلال تقارير تحليلية ومتابعة لحركة الأسعار، إلى جانب أقوال شهود ودراسات اقتصادية متخصصة.

إحالة للمحاكمة وتشديد على الردع

وانتهت النيابة إلى إصدار قرار بإحالة المتهمين إلى المحاكمة الجنائية، مؤكدة أن الهدف من هذه الإجراءات ليس فقط العقاب، وإنما ردع أي محاولات مستقبلية لاحتكار السلع أو التلاعب بأسعارها.

كما أكدت النيابة العامة التزامها الكامل بحماية آليات السوق، وترسيخ مبدأ الشفافية والمنافسة العادلة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار الاقتصادي.

رسالة اقتصادية واضحة

وفي ختام مرافعتها، شددت النيابة على أن التصدي للممارسات الاحتكارية لا يستهدف فئة بعينها، بل يهدف إلى حماية المواطن في المقام الأول، وضمان وصول السلع الأساسية بأسعار عادلة، مع الحفاظ على توازن السوق واستقرار الاقتصاد القومي.

وأكدت استمرارها في ملاحقة أي ممارسات مماثلة، في إطار من سيادة القانون، ودعمًا لاقتصاد أكثر عدالة وانضباطًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى