العرب والعالم

كيف يتحول “الفاعل الإقليمي” من عنصر قوة إلى مصدر تهديد؟

دكتور علاء شوالي

كيف يتحول "الفاعل الإقليمي" من عنصر قوة إلى مصدر تهديد؟(هل يمكن لدولة إقليمية واحدة، أن تتحول من جزء من بنية الصراع، إلى عنصر تثبيت لبنية النظام؟)

 

ـ بعد تفكيك فكرة “الفراغ الاستراتيجى” فى المقال الأول، ثم تحليل أسباب إنتاج التوتر فى المقال الثانى، وكيف نمنع الإقليم أصلًا من إنتاج هذه الدائرة، وكسر آلية إنتاج العدو نفسها..

نصل إلى سؤال أكثر حساسية:

هل يمكن لدولة إقليمية واحدة ـ مصر أو السعودية أو تركيا أو إيران ـ أن تتحول من جزء من بنية الصراع، إلى عنصر مثبت للنظام؟

 

ـ مناقشة هذا السؤال تفرض تناوله على عدة محاور:

 

أولًا: ما المقصود بمثبت النظام؟

ـ “مُثبت النظام” ليس صانع سلام بالمعنى التقليدى، ولا وسيطًا محايدًا، ولا قوة ردع، بل هو فاعل إقليمى له ثلاث وظائف أساسية:

1. تقليل احتمالات الانزلاق إلى الحرب بين القوى الرئيسية فى الإقليم.

2. منع أى طرف من تحقيق هيمنة إقليمية منفردة.

3. تحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى إدارة مصالح قابلة للضبط.

بمعنى أدق، فمثبت النظام هو صاحب دور فاعل، لا يلغى الصراع، لكنه يمنع تحوله إلى فوضى شاملة.

 

ثانيًا: صعوبة هذا الدور فى بيئة الشرق الأوسط

ـ الإشكال الجوهرى أن “مُثبت النظام” فى أى إقليم يحتاج شرطًا مزدوجًا متناقضًا:

أن يكون قويًا بما يكفى للتأثير فى الجميع، وأن يكون مقبولًا من الجميع فى نفس الوقت.

 

وهى معادلة شبه مستحيلة فى الشرق الأوسط ترتبط بالثروة الى حد كبير، فكلما زادت قوة دولة، زادت الشكوك حول نواياها، ومن ثم تتحول القوة من عنصر استقرار محتمل إلى عنصر تهديد اكثر احتمالًا فى نظر الغير.

 

ثالثًا: تقييم القوى الإقليمية المحتملة

1) مصر

* تمتلك موقعًا جغرافيًا محوريًا، ثقلًا تاريخيًا وديموغرافيًا، وخبرة طويلة فى إدارة التوازنات الإقليمية.

* لكنها تواجه ضغوطًا اقتصادية مزمنة، قيودًا على التمدد الخارجى، حاجةً مستمرة لتوازنات مالية ودولية

* يؤدى ذلك الى انها قد تلعب دور “الموازن السياسى”، لكنها لا تمتلك أدوات هندسة النظام الإقليمى، او التفاعل كمثبت لهذا النظام.

 

2) السعودية

* تمتلك ثقلًا ماليًا يمنحها القدرة على تمويل التوازنات الإقليمية، وحضورًا مباشرًا فى أسواق الطاقة العالمية، الى جانب مكانة دينية.

* لكنها تواجه اعتمادًا أمنيًا على قوى خارجية، حساسية جغرافية وأمنية عالية، الى جانب تنافسات إقليمية مباشرة.

* يؤدى ذلك الى انها قد تكون ممولة للاستقرار، لكنها ليست بالضرورة صانعة لقواعد النظام، ولا التفاعل كمثبت لهذا النظام.

 

3) تركيا

* تمتلك قوة عسكرية كبيرة، اقتصادًا متوسطًا متنوعًا، وموقعًا جيوسياسيًا بين أوروبا وآسيا.

* لكنها تواجه طموحات توسعية تخلق احتكاكًا مستمرًا، وانخراطًا مباشرًا فى عدة ملفات إقليمية

* يؤدى ذلك الى انها فاعل إقليمى موازن، لكنه ليس محايدًا بما يكفى ليكون مُثبتًا للنظام.

 

4) إيران

* تمتلك عمقًا جغرافيًا واستراتيجيًا، ونفوذًا ممتدًا عبر عدة ساحات إقليمية، وقدرة على التفاعل مع التوازنات القائمة.

* لكنها تواجه ـ حتى الآن ـ صراعات ممتدة مع قوى إقليمية ودولية، وعزلة جزئية فى النظام الإقليمى والدولى.

* يؤدى ذلك الى انها فاعل قادر على التأثير فى التوازن، لكنه أقرب إلى تعطيل الاستقرار منه إلى تثبيته.

 

هنا، وحتى لو توفرت لإيران شروط القوة التى تؤهلها نظريًا للعب دور مُثبت النظام، فسيظل هذا الدور مرهونًا ليس فقط بقبول الإقليم، بل بحدود ما يسمح به النظام الدولى نفسه، الذي لا يميل إلى تركيز الاستقرار الإقليمى، بقدر ما يفضل إدارة التوازن عبر الابقاء على مركز تهديد يعيد ضبط الإقليم من الخارج، كاسرائيل منذ 1948 وحتى الآن، او كإيران نفسها بالنسبة لدول الخليج.

 

رابعًا: لماذا يفشل نموذج “الدولة المثبتة للنظام”؟

ربما السبب ليس نقصًا فى القوة فقط، بل فى بنية النظام نفسه، حيث توجد ـ فى تقديرى ـ ثلاثة عوائق أساسية:

1) انعدام الثقة البنيوية.

حيث تنظر كل دولة إلى الأخرى بوصفها تهديدًا محتملًا، وليس شريكًا فى النظام.

 

2) تشابك الإقليم مع القوى الكبرى.

حيث لا توجد دولة إقليمية تعمل منفردة فى فراغ، بل ضمن شبكات تأثير دولية ـ كالولايات المتحدة، الصين، روسيا ـ وهو ما يتسبب فى تعقيد أى دور محايد.

 

3) تداخل الملفات الأمنية

لا يوجد ملف منفصل، فكل أزمة ـ فلسطين، الخليج، إيران، البحر الأحمر، الممرات البحرية ـ كل أزمة تتصل مباشرة بالآخرى، ربما عن عمد، ومن ثم تصعب إدارة الاستقرار بشكل مجزأ أو محلى.

 

الشاهد..

ـ غياب مثبِّت النظام ليس لأن الدول الإقليمية غير مؤهلة، ولكن لأن النظام نفسه لا يسمح بظهور فاعل محايد مهيمن من داخله، بينما يفضل إدارة الإقليم من خارجه.

 

ـ النقطة الأشد خطورة ـ فى رأيى ـ أن النظام الدولى لن يميل إلى تركيز استقرار الشرق الأوسط بثرواته فى يد قوة إقليمية واحدة، بقدر ما يفضل بقاء مركز تهديد واضح يعاد تعريفه أو إعادة توظيفه أو حتى تثبيته عبر الزمن، بما يتيح له ضبط التوازن العام دون تمكين أى طرف إقليمى من احتكار دور القيادة، ولعل هذا، كما قلنا سابقًا، هو سبب الدعم الامريكى اللا محدود لإسرائيل.

 

لكنها استراتيجية ترتبط بوجود الموارد النفطية الذى يمنح المنطقة أهمية حالية او مستقبلية للقوى الكبرى. أما إذا تراجعت هذه الأهمية بفعل نضوب أو تحولات جذرية فى مصادر الطاقة، فسيتغير مستوى الاهتمام الدولى بالإقليم، وسيعود ـ في هذه الحالة ـ إلى نمطه التاريخى الطبيعى فى توزيع موازين قواه الإقليمية، كما كان الحال قبل الحقبة النفطية، مع اختلاف السياقات التاريخية والسياسية بالطبع.

 

ـ اقصد ان “العدو الأقليمى”.. أيًّا كان ـ لا يعمل فقط كمصدر خطر، بل كأداة تنظيم غير مباشرة، تعيد توجيه التوترات بعيدًا عن التفكك الداخلى، وتمنع تحول الإقليم إلى صراعات متعددة بلا مركز.

 

ـ لذلك فالبديل الواقعى ـ فى تقديرى ـ ليس دولة واحدة تقوم بدور متُبّت النظام، بل توزيع وظيفة تثبيت النظام على الجميع، بحيث لا يُحتكر الاستقرار ، بل يُقسم إلى أدوار تعكس عدة قوى:

قوة توازن سياسى

قوة تمويل اقتصادى

قوة ردع أمنة

قوة إدارة للممرات الاستراتيجية

 

أى تشكيل وحدة تكامل اقليمى الى حد كبير، ولعل هذا هو مضمون وهدف المبادرة المصرية الاخيرة كما يقودنا الغوص فى التحليل الى اكتشاف حقيقة ماهيتها كأحد اهم المبادرات الإقليمية، ربما منذ مرحلة المد القومى والوحدة المصرية السورية 1958.

بهذا الشكل فقط يمكن تقليل احتمالات الانزلاق، دون انتظار مُنقذ إقليمى منفرد لن يسمح له أحد أن يأتى.

 

اقصد أن الشرق الأوسط لا يعانى من غياب القوة، بل من غياب القدرة على تحويل القوة إلى أدوار مستقرة ومتوازنة. وعليه فالسؤال الحقيقى ليس: من الدولة التي ستقود النظام؟

بل: هل يمكن أصلًا بناء نظام إقليمى قائم على توزيع الأدوار بدل صراع الهيمنة؟

وهل غياب قواعد اللعبة التى تمنع القوة من التحول التلقائى إلى تهديد، هى المشكلة فى الدول الإقليمية نفسها؟

 

هذا ما سنحاول مناقشته فى الحلقة القادمة، مع من اهتم وراقت له المتابعة، فشرفنا بالقراءة، إن أراد الله تعالى وكان فى العمر بقية.

ولك يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى