قانون الكهرباء تحت قبة البرلمان.. صراع بين تغليظ العقوبات وحماية المواطن والفئات الأقل دخلًا وسط سجالات النواب

شهدت لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب هذا الأسبوع جلسة مثيرة لمناقشة مشروع تعديل قانون الكهرباء، الذي أثار جدلاً واسعًا بين تغليظ العقوبات على سرقة التيار الكهربائي وبين حماية المواطنين، خصوصًا الفئات الأقل دخلًا. الاجتماع لم يكن مجرد مناقشة روتينية، بل تحول لاختبار حقيقي لفلسفة التشريع وحدود العدالة الاجتماعية في مواجهة ظاهرة الفاقد الكبير في الكهرباء.
وافقت اللجنة مبدئيًا على مشروع القانون بفارق ثلاثة أصوات فقط، حيث أيد 12 نائبًا المشروع من حيث المبدأ مقابل رفض 9، فيما غاب 8 أعضاء عن الاجتماع من أصل 29 عضوًا. وواجه النواب المعترضون نقص البيانات الدقيقة حول حجم الفاقد الفني والتجاري، وديون الجهات الحكومية لوزارة الكهرباء، والأثر التشريعي للتعديلات السابقة التي جرت في 2020 و2025. ما دفع رئيس اللجنة إلى تأجيل مناقشة مواد القانون للاجتماع المقبل لحين حضور وزير الكهرباء لتقديم البيانات المطلوبة.
الحكومة قالت إن قطاع الكهرباء يواجه تحديًا مزمنًا يتمثل في ارتفاع نسبة الفاقد إلى نحو 29%، وتشمل الفاقد الفني المرتبط بكفاءة الشبكات، والفاقد التجاري الناتج عن سرقات التيار والتلاعب في العدادات، في وقت ارتفعت فيه تكلفة إنتاج ونقل الكهرباء بشكل كبير. ومن هذا المنطلق، جاء مشروع القانون لتشديد العقوبات على المخالفين، مع إلزامهم برد مثلي قيمة التيار المسروق وتحمل تكاليف الإصلاح، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب للتصالح في أي مرحلة من مراحل الدعوى، مما يؤدي لانقضاء الدعوى الجنائية فور السداد.
من جانبه، أشار المستشار طاهر الخولي، وكيل اللجنة، إلى أن تشديد العقوبات وحده لن يكون كافيًا للحد من سرقات الكهرباء، مؤكدًا ضرورة تبني رؤية شاملة لمعالجة جذور المشكلة، مثل تسوية أوضاع البناء المخالف، وتحسين آليات توصيل المرافق، وضبط المتابعة والتحصيل. وأكد أن القانون السابق رقم 192 لسنة 2020 لم يحقق الهدف المرجو منه في تقليل الظاهرة، ما يفرض على الحكومة البحث عن حلول جذرية قبل الاقتصار على العقوبة.
النائب ضياء الدين داود تساءل عن أثر التشريع، وطلب توضيح حجم الفقد الفني والتجاري، بالإضافة إلى حجم ديون الجهات الحكومية، بينما حذر النائب مصطفى بكري من مساواة القانون بين المواطن الفقير وصاحب المصنع، مشيرًا إلى أن الغرامات المرتفعة قد تؤدي إلى حبس أعداد كبيرة من المواطنين. وأكد عاطف مغاوري أن بدء دور الانعقاد بمشروع عقابي يعد مؤشرًا سلبيًا، مطالبًا بإيجاد حلول قبل العقوبة.
على الجانب الآخر، شدد المستشار محمد عيد محجوب، رئيس اللجنة، على أن سرقة الكهرباء جريمة بلا حسن نية، وأن التصالح يتيح إنهاء الدعوى الجنائية، بينما يبقى الردع ضروريًا لحماية المال العام. واعتبر النائب طارق الملا أن الفاقد الكبير يهدد أمن الطاقة، مشيرًا إلى أن الدولة تستهدف خفضه إلى 12%، وأن القانون يوازن بين التشديد على المخالفين وإتاحة التصالح.
وفي خطوة لتهدئة الجدل، تدخل المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية، مؤكّدًا أن الحكومة منفتحة على النقاش ومستعدة لتقديم كافة البيانات المطلوبة، وأن مشروع القانون لا يستحدث جرائم جديدة بل ينظم آليات الردع والتحصيل. وأوضح أن الهدف الأساسي هو تحصيل حقوق الدولة وليس العقاب المجرد، وهو ما يتماشى مع التوسع في نظام التصالح الذي يسمح بانقضاء الدعوى الجنائية فور السداد.
كما استعرضت وزارة الكهرباء البيانات المتعلقة بالفقد الفني الذي يقدر بـ7%، والفقد التجاري الناتج عن سرقات التيار والذي يصل إلى نحو 12%، وأكدت أن تركيب 2.2 مليون عداد كودي ساهم في تحصيل 4.7 مليار جنيه، مع حوكمة كاملة للضبط والتظلم.
وبهذا، يبقى مشروع تعديل قانون الكهرباء معلقًا بين الإقرار والتعديل، في انتظار تقديم الحكومة للبيانات التفصيلية، وما إذا كان البرلمان سيصل إلى صيغة توافقية توازن بين حماية المال العام وضمان حقوق المواطنين، مع تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الأعباء على الفئات الأقل دخلًا.



