العرب والعالم
في الذكرى الـ14 لرحيل البابا شنودة الثالث.. إرث من الحكمة والوحدة الوطنية يتجدد في وجدان المصريين

في ذكرى رحيل مثلث الرحمات
بقلم: هدى إسماعيل
تمر اليوم الذكرى الرابعة عشرة لرحيل قامة وطنية وروحية عظيمة، هو قداسة البابا شنودة الثالث، مثلث الرحمات؛ ذلك اللقب التكريمي الذي يُطلق على الشخصيات الكنسية بعد وفاتها، طلبًا لرحمات الله الكثيرة لها.
لم يكن البابا شنودة مجرد بطريرك للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل كان رمزًا للحكمة والاعتدال، وصوتًا عاليا صادقًا للمحبة بين أبناء الوطن الواحد. رحل، مثلث الرحمات لكنه ترك إرثًا إنسانيًا ووطنيًا عظيمًا، لم يقتصر أثره على الأقباط وحدهم، بل امتد ليشمل الشعب المصري كله.
وقبل أن يُساء فهم هذا التقدير باعتباره مبالغة، يكفي أن نلقي نظرة على ما آلت إليه أوضاع دول كثيرة في محيطنا، حيث أدت النزاعات الطائفية والانقسامات المجتمعية إلى انهيار دول وتمزق شعوب. من لبنان إلى سوريا، مرورًا بـ ليبيا والسودان والعراق، تتكرر مشاهد الصراع الطائفي وما يخلّفه من دمار إنساني ومجتمعي شامل .
وسط هذا المشهد المضطرب، تبرز قيمة القيادات التي حافظت على تماسك مجتمعاتها، وهنا يتجلى دور مثلث الرحمات، الذي لم يكن فقط راعيًا لكنيسته، بل أبًا لوطن بأكمله. فقد شهدت مصر خلال العقود الماضية أحداثًا طائفية مؤلمة، تركت جروحًا عميقة في النفوس، على سبيل المثال لا الحصرالاخداث الطائفية في نهاية السبعينات ومروراً بتفجيرات الكنائس من قبل متطرفون وحوادث خطف القاصرات وأسلمتهم واحداث الكشح وغيرهم إلا أن الوعي والحكمة كانا دائمًا حاضرين لتجنيب الوطن الانزلاق إلى هاوية الانقسام.
وكان البابا شنودة نموذجًا لهذا الوعي؛ إذ رسّخ في وجدان أتباعه معنى الانتماء الحقيقي، حين قال عبارته الخالدة:
“مصر وطن يعيش فينا، وليس وطنًا نعيش فيه.”
عن تجربة شخصية، كنت من المحظوظين بلقائه خلال زياراته إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة، حيث كان حضوره يجمع المصريين على اختلاف توجهاتهم. كان يتمتع بأسلوب بسيط، عميق، وروح خفيفة الظل، تصل كلماته إلى القلب قبل العقل.
وخلال إحدى الندوات، سألته عن كثرة الكنائس التي تم افتتاحها في الخارج، حتى فاقت في عددها السفارات المصرية، فأجاب بهدوء:
“للحفاظ على التربية الروحية لأبنائنا خارج الوطن، وربطهم بمصر حتى لا ينسوها.”
كانت إجابة كاشفة عن وعي وطني عميق؛ فقد أدرك أن الحفاظ على الهوية لا يكون فقط بالحدود، بل بالانتماء. لم يستخدم مكانته الدينية لفرض سلطة، بل قدّم نموذجًا للقيادة التي تضع الوطن أولًا.
لذلك، لم يكن غريبًا أن تخرج من تحت عباءته أجيال متمسكة بمصريتها، واعية بقيمة العيش المشترك، حريصة على بقاء الوطن متماسكًا رغم كل التحديات وقادرة على أن تضحك في الصورة علشان تطلع حلوة .







