عواصم أوروبا تضيق الخناق على شبكات الإخوان.. فرنسا وألمانيا والنمسا يقودون حراكاً قانونياً دولياً لتجفيف منابع تمويل تنظيم الجماعة الإرهابية

لم تعد جماعة الإخوان المسلمين في القارة العجوز مجرد مادة للدراسات الأنثروبولوجية أو مادة دسمة للبرامج الحوارية التلفزيونية، بل انتقلت قضيتها لتمثل التحدي الأمني والسياسي الأبرز في أروقة صنع القرار الأوروبي. تعيش الجماعة اليوم مرحلة “خريف النفوذ” بعد عقود من العمل تحت غطاء “الاندماج والمواطنة”. اليوم، تتحول قاعات الاستخبارات في باريس وبرلين وفيينا إلى ساحات لتمحيص كل درهم يتدفق وكل خطبة تُلقى، وسط إجماع متزايد على أن خطر التنظيم لا يكمن في “الرصاصة” بل في “الفكرة” التي تنخر عصب التماسك المجتمعي الأوروبي.
المكاشفة الكبرى: دور الإعلام والاستخبارات
حسب ما أوردته صحيفة “لاراثون” الإسبانية في تقاريرها الأخيرة، فإن هذا التحول الجذري في الموقف الأوروبي ليس وليد المصادفة، بل هو نتاج تراكمي لسنوات من الرصد الاستخباراتي الدقيق. كشفت هذه الملفات عن شبكة معقدة من الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية التي تعمل كـ”واجهات” (Front Organizations) للتنظيم الدولي. هذه الكيانات، التي لطالما قدمت نفسها كممثل شرعي للجاليات المسلمة، تبين أنها تمارس دوراً مزدوجاً: فهي تظهر الاعتدال أمام الكاميرات، بينما تزرع في الخفاء بذور العزلة والخطاب المتشدد، وتبني “مجتمعات موازية” ترفض القيم الليبرالية الأوروبية وتدين بالولاء لأيديولوجية عابرة للحدود.
باريس.. رأس الحربة في مواجهة “التغلغل”
تتصدر فرنسا المشهد الأوروبي بمقاربة هي الأكثر حزماً. لم يعد الأمر مقتصرًا على تصريحات إعلامية، بل وصل إلى قلب الجمعية الوطنية (البرلمان). يشير موقع “CNEWS” الفرنسي إلى أن كتل اليمين، وتحديداً حزب “الجمهوريون”، يقودون حراكاً تشريعياً غير مسبوق لفرض واقع جديد. المقترح الحالي يهدف صراحة إلى الضغط على المفوضية الأوروبية لإدراج الإخوان على قوائم الإرهاب، أسوة بتنظيمات أخرى.
وتفسر صحيفة “لوفيجارو” هذا التصعيد بأنه استجابة لتقارير أمنية حذرت من “الاختراق الأيديولوجي” للمؤسسات. باريس باتت تدرك أن السكوت عن التمويلات الخارجية المشبوهة وإهمال مراقبة المناهج التعليمية في بعض المراكز التابعة للجماعة أدى إلى خلق فجوات أمنية. لذا، تتجه الدولة الفرنسية نحو استراتيجية “الحل والرقابة”، والتي تشمل إغلاق الجمعيات المخالفة، وتأميم تكوين الأئمة ليكون “فرنسياً” خالصاً بعيداً عن تأثيرات التنظيم الدولي.
ألمانيا والنمسا: معركة “الأمن الدستوري”
بينما تركز فرنسا على الجانب القانوني والسياسي، تخوض ألمانيا والنمسا معركة “تحصين الدستور”. في برلين، لم يعد “المجلس الأعلى للمسلمين” أو “الجمعية الإسلامية” بمنأى عن رقابة هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية). التقارير الألمانية السنوية أصبحت تفرد مساحات واسعة لنشاط الإخوان، واصفة إياهم بأنهم “خطر صامت” يهدد النظام الديمقراطي عبر بناء نفوذ طويل الأمد يهدف لأسلمة المجتمع وفق رؤية سياسية إقصائية.
وفي فيينا، اتخذت النمسا خطوات عملية بإنشاء “مركز توثيق الإسلام السياسي”، الذي يعمل على رسم خرائط دقيقة لمراكز القوة التابعة للإخوان. التنسيق بين فيينا وبرلين وصل إلى مستويات عليا لتعقب التدفقات المالية العابرة للحدود، خاصة تلك القادمة من جهات إقليمية داعمة للتنظيم، وذلك بهدف تجفيف الينابيع المالية التي تغذي هذه الأنشطة.
إسبانيا وبلجيكا: مراقبة في “قلب العاصفة”
في الجنوب الأوروبي، لا تبدو إسبانيا بعيدة عن هذا القلق. السلطات الأمنية في مدريد وضعت مناطق مثل كتالونيا وفالنسيا تحت مجهر الرقابة المالية، بعد رصد نشاطات مريبة لجمعيات يُعتقد أنها تتبع للتنظيم الدولي. أما في بلجيكا، التي تضم مقر الاتحاد الأوروبي، فإن الحذر سيد الموقف. بروكسل تدرك أن حساسية موقعها تفرض عليها توازناً دقيقاً، لكن الضغوط الشعبية والبرلمانية بدأت تدفع الحكومة نحو تبني سياسات أكثر صرامة، خاصة بعد ثبوت تورط بعض الشخصيات المرتبطة بالجماعة في محاولات تأثير غير شرعي على قرارات أوروبية.
مستقبل الجماعة: نحو تصنيف إرهابي شامل؟
إن الحراك الذي تشهده بروكسل اليوم من قبل مجموعات الضغط “اللوبي” يعكس رغبة شعبية وسياسية في حسم ملف الإخوان نهائياً. المطالبات بتصنيف الجماعة “إرهابية” لا تستند فقط إلى أعمال عنف مادية، بل إلى مفهوم “الإرهاب الفكري” الذي يمهد الطريق للتطرف العنيف. الاتحاد الأوروبي يدرك الآن أن “الخطاب المزدوج” للجماعة هو أخطر أسلحتها؛ فبينما يتحدث قادتها بالإنجليزية والفرنسية عن “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية”، ينضح خطابهم الداخلي بلغات أخرى بمفاهيم “الاستعلاء الإيماني” و”التمكين” وضدية الدولة القومية.
الخلاصة: نهاية عصر الاستثناء
إن القارة الأوروبية، التي كانت يوماً الملاذ الآمن لقيادات الإخوان، بدأت تغلق أبوابها. إن تشديد الرقابة على التمويل، وإعادة صياغة القوانين المنظمة للعمل الأهلي، وتكثيف التبادل الاستخباراتي بين دول الأعضاء، كلها مؤشرات تدل على أن زمن “التساهل” قد ولى. تواجه الجماعة اليوم حصاراً أيديولوجياً وقانونياً قد ينتهي بإخراجها تماماً من المشهد العام، وتحويلها إلى مجرد ذكرى لتنظيم حاول استغلال ديمقراطية الغرب لتقويض قيمه من الداخل.



