مباشر مصر

ضمير_مستتر.. قانون المحليات واقتصاد المخالفة!

د/ علاء شوالي
ـ مع كل ضجيج حول قوانين المحليات، قديمًا أو حديثًا، يتجه النقاش دائمًا إلى التنظير حول شكل النظام.. مركزية أو لامركزية، عدد الأعضاء، طريقة الانتخاب، حدود الصلاحيات، الرقابة…

بينما يظل السؤال الأهم خارج الدائرة.. ما البيئة التشريعية التى سيعمل داخلها هذا النظام؟
هل ستكون نفس البيئة السابقة، أم بيئة عصرية منطقية جديدة تدعم القانون الجديد؟

ـ الرأى عندى أن أزمة المحليات ليست فى قانونها وحده، بقدر ما هى فى القواعد التى تحكم علاقتها بالمواطن.
بمعنى أن المشكلة ليست فقط فساد أشخاص أو ضعف رقابة، بل أراها فى عدم منطقية القواعد الحاكمة لعمل أجهزة المحليات ذاتها.

فحين يصبح الامتثال للقانون صعبًا، أو مكلفًا، أو غير منطقى، لا تتوقف الحياة.. بل تنتقل إلى منطقة رمادية، يمكن تسميتها “اقتصاد المخالفة”، إن جاز التعبير، ذلك الذى نراه مثلًا:
حين تتجاوز اشتراطات البناء قدرة الناس.. فتظهر المخالفات.
حين تتعقد تراخيص المحال.. تظهر البدائل غير الرسمية..
حين تطول الإجراءات وتتعنت.. يصبح “التسهيل” هو القاعدة.
وغير ذلك الكثير

ـ هنا، فالفساد لا يبدأ من الموظف، بل من عقم القانون وجموده وعدم واقعيته، مما يضطر المواطن لإنهاء مصلحته الشرعية بأى سبيل.

ـ ولأن القاعدة الأهم، أنه كلما ارتفعت تكلفة الالتزام ـ مالًا أو وقتًا أو تعقيدًا ـ انخفض الامتثال، وارتفعت فرص الفساد..
فالسؤال الحقيقى ـ فى تقديرى ـ ليس كيف نُعيد تنظيم المحليات الشعبية؟ بل لماذا يخالف الناس؟ وكيف نجعل الالتزام ممكنًا؟

ـ من هذه الزاوية، لا تبدو المحليات أصل المشكلة، بل هى محطة التنفيذ الأخيرة لمنظومة قوانين غير متسقة مع الواقع.
فالموظف ليس فاسدًا بالضرورة، لكنه محاصرٌ داخل نص جامد منفصل عن الواقع، يطلب منه تطبيق قاعدة غير قابلة للتطبيق أصلًا، فيجد نفسه بين خيارين.. إما التعطيل، وإما غض الطرف والالتفاف، بما يصحبه من إستفادة متبادلة هى “اقتصاد المخالفة” كما أشرت.
ذلك بالنسبة للمواطن البسيط الذى يسعى لحق او لتحقيق مصلحة قانونية.

أما من يستغل هذا الوضع لتحقيق مكاسب غير مشروعة، فنحن هنا أمام مستوى آخر لا يتناغم مع رؤيتنا، يمكن تسميته “الاقتصاد الأسود” المستحق لأشد العقاب، طالما تغيرت القواعد وتطورت.

ـ الأخطر، أن تلك القواعد المعقدة لا تُربك المواطن فقط، بل تفتح الباب امام موظف المحليات لسلطة تقديرية واسعة!
فحين يصبح النص القانونى قابلًا للتأويل، يتحول تطبيقه إلى تفاوض، فلا يعود الفساد استثناءً، بل احتمالًا دائمًا.

ـ لذلك، فأخطر ما قد يحدث مع صدور قانون جديد للمحليات الشعبية، ليس أن يكون ضعيفًا أو قويًا، بل أن يوضع ليعمل داخل نفس البيئة التشريعية المعيبة.
فالقانون المرتقب قد يمنح المحليات الشعبية صلاحيات أوسع، وأدوات رقابة فاعلة، وربما يتيح فرصة ديمقراطية حقيقية بانتخاب المحافظ ورئيس المدينة ورئيس الحىّ وعمدة القرية..
لكن ذلك كله لن يغيىّر من الواقع السىء شيئًا، إذا ظلت القواعد التى تُنتج الفساد كما هى..
هنا لن نكون أمام إصلاح، بل أمام تغيير “قميص” الأزمة، ونقلها من مستوى إلى آخر.

ـ فالإصلاح الحقيقى لا يبدأ من قانون منفرد، بل من حزمة تشريعية واقعية متكاملة، تفكك “اقتصاد المخالفة”، وتجعل الالتزام بالقانون أسهل وأقل تكلفة من مخالفته. وذلك ـ فى رأيى ـ يقتضى:
1. قوانين وقواعد مرنة قابلة للتطبيق، تعيد تنظيم عمل أجهزة المحليات الرسمية، بصورة تراعى الواقع المادى والزمنى للمواطن.
2. تحجيم السلطة التقديرية للأجهزة الرسمية عبر تبسيط الإجراءات والتحول الرقمي الشامل.
3. تمكين محلِّى حقيقى بقيادات منتخبة تملك صلاحية مراجعة هذه القواعد وتطويرها دوريًا حسب مقتضيات العصر وطبيعة النطاق المحلى.

الشاهد..
ـ تغيير الأدوات هو الطريق الوحيدة لتغيير النتائج، والبداية تحتاج لفقه الأولويات.. هل نبدأ بقانون جديد، أم نُعيد أولًا بناء البيئة التى سيعمل داخلها هذا القانون؟
غير ذلك، سيبقى الالتزام استثناءً، وستبقى المخالفة هى القاعدة، فلا يخسر المجتمع وحده بقدر ما تخسر الدولة هيبتها وقدرتها على فرض القانون.

والمعادلة ببساطة:
★ قواعد جامدة غير واقعية + سلطة تقديرية = بيئة خصبة للفساد، مهما بلغ حجم الرقابة.
★ قواعد مرنة قابلة للتطبيق + شفافية + مساءلة = إدارة يمكن إصلاحها.

ـ نهايةً.. إصلاح نظام المحليات فى حاجة لثورة بكل معنى الكلمة.. ثورة تشريعية تعيد النظر فى القوانين، وتفرز مجالس محلية شعبية ذات كفاءة.
فالتحدِّى الحقيقى ليس فى كتابة قانون جديد، بل فى امتلاك الإرادة لمراجعة المنظومة بأكملها.
والفارق كبير بين أن نعالج أصل المشكلة، أو أن نعيد توزيعها وتدويرها بنفس الأدوات.

ذلك ـ ببساطة ـ هو الفارق بين إصلاح حقيقى وإصلاح يبدو كذلك، أو هى بعض مقومات العقد الإجتماعى “للجمهورية الجديدة”.. كما نأمل ونتمنى.

ولكِ يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.
#قانون_المحليات_واقتصاد_المخالفة!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى