تقارير وتحليلات

دمج الوزارات.. خبراء: تقليص عدد الحقائب الحكومية ضرورة لخفض الإنفاق ومواجهة البيروقراطية وتسريع اتخاذ القرار وتحسين بيئة الاستثمار

 

أصبح دمج الوزارات المتقاربة في الاختصاصات أحد الاتجاهات الإدارية التي تتبناها العديد من الدول بهدف رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتقليص البيروقراطية، وتسريع اتخاذ القرار، وتحسين بيئة الاستثمار وجودة الخدمات، إلى جانب الحد من تضارب الاختصاصات والترهل الإداري.

 

ويرى خبراء اقتصاد وسياسة أن تقليص عدد الوزارات يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من التكامل بين السياسات الاقتصادية والتنموية، خاصة في القطاعات التي تتداخل اختصاصاتها، مع ضرورة أن تسبق عمليات الدمج رؤية واضحة للدولة، وهيكل إداري قادر على تنفيذها بكفاءة.

 

تجارب دولية في دمج الوزارات

 

وتتعدد التجارب الدولية في هذا المجال، إذ تعمل الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة من خلال عدد محدود من الوزارات، بينما يتراوح عدد الوزارات في العديد من الدول الأوروبية بين 15 و22 وزارة، وفي دول شرق آسيا يدور حول 20 وزارة، في حين يتراوح في عدد من الدول العربية بين 18 و30 وزارة.

 

وتبرز الإمارات العربية المتحدة كإحدى التجارب اللافتة في إعادة هيكلة الحكومة، حيث اتجهت إلى دمج عدد من الوزارات والهيئات الاتحادية بهدف زيادة المرونة وسرعة اتخاذ القرار، إلى جانب التوسع في تقديم الخدمات الحكومية عبر المنصات الرقمية.

 

كما خفضت الأرجنتين، عقب تولي الرئيس خافيير ميلي السلطة، عدد الوزارات من 18 إلى 9 وزارات، ضمن خطة لإعادة هيكلة الجهاز التنفيذي وترشيد الإنفاق العام ورفع كفاءة الأداء الحكومي.

 

وشهدت دول أخرى، بينها المملكة المتحدة وكندا وأستراليا وإيطاليا وألمانيا، تجارب مختلفة لدمج بعض الوزارات والقطاعات ذات الاختصاصات المتقاربة، بهدف تحقيق مزيد من التكامل في السياسات العامة وتحسين إدارة الموارد.

 

جودة عبد الخالق: الدمج يرفع كفاءة الحكومة ويخفض الإنفاق

 

وأكد الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق، أن دمج الوزارات المتقاربة في الاختصاصات يمثل خطوة مهمة لتحسين كفاءة الجهاز الحكومي، مشيرًا إلى أنه سبق أن دعا إلى دمج وزارتي التموين والتضامن الاجتماعي في وزارة واحدة تحت مسمى «وزارة العدالة الاجتماعية».

 

وأشار إلى وجود ملفات أخرى تتداخل فيها الاختصاصات، مثل الزراعة واستصلاح الأراضي والموارد المائية والري، فضلًا عن إمكانية دمج الوزارات المعنية بقطاع الطاقة، وعلى رأسها الكهرباء والبترول، في وزارة واحدة تتولى رسم السياسة الشاملة للطاقة.

 

وأوضح أن تعدد الجهات المسؤولة عن الملف الواحد يؤدي إلى تشتت الاختصاصات، مستشهدًا بملف الاستثمار الذي تتداخل فيه أدوار عدد من الجهات، بما قد ينعكس على سرعة اتخاذ القرار وكفاءة الأداء.

 

وأكد عبد الخالق أن زيادة الإيرادات العامة بالتوازي مع خفض الإنفاق الحكومي تمثل إحدى الأدوات المهمة للسيطرة على عجز الموازنة وكبح التضخم، داعيًا إلى إعادة هيكلة الحكومة عبر دمج الوزارات المتشابهة، بما يسهم في خفض الإنفاق والحد من الهدر الإداري ودعم الإصلاح المالي.

 

أحمد بهاء الدين شعبان: الدمج يحد من تضارب الاختصاصات

 

من جانبه، أكد أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، أن دمج الوزارات يعد أحد الاتجاهات الحديثة لتطوير الأداء الحكومي، من خلال تحقيق التكامل بين السياسات العامة وتعزيز التعاون بين الوزارات ذات الاختصاصات المتقاربة.

 

وأشار إلى أن الحكومة المصرية بدأت بالفعل تطبيق هذا النهج عبر دمج عدد من الحقائب والملفات الحكومية، مؤكدًا أن نجاح الدمج يتطلب هيكلًا إداريًا مرنًا، مع تعيين نواب ومساعدين للوزير لإدارة الملفات المتخصصة، بما يضمن استمرار كفاءة العمل التنفيذي.

 

وأضاف أن دمج الوزارات يمكن أن يسهم في مواجهة تضخم الجهاز الحكومي، وتقليل تداخل الاختصاصات، وتوضيح المسؤوليات، وتسريع عملية اتخاذ القرار، بشرط اختيار قيادة قادرة على إدارة الوزارة الجديدة والاستعانة بالمتخصصين.

 

خبير اقتصادي: الدمج يحقق وفورات مالية

 

وأكد الدكتور محمد حسن خليل، الخبير الاقتصادي، أن الدولة بحاجة إلى ترشيد الإنفاق الحكومي، معتبرًا أن دمج بعض الوزارات يمكن أن يمثل فرصة لتقليص النفقات العامة، خاصة في ظل وجود جهات تتداخل اختصاصاتها.

 

واقترح دمج وزارة الاستثمار مع وزارة قطاع الأعمال العام، إلى جانب دمج وزارتي السياحة والآثار في وزارة واحدة، مع إمكانية إدارة ملف الآثار من خلال هيئة متخصصة.

 

كما دعا إلى إعادة النظر في استمرار وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج كوزارة مستقلة، ودمج اختصاصاتها مع الجهة المعنية بملف العمل والهجرة، مشيرًا إلى إمكانية إعادة استغلال الأصول والعقارات التابعة للوزارات التي قد يشملها الدمج بما يحقق عائدًا اقتصاديًا للدولة.

 

علي الإدريسي: تقليص الوزارات يحسن بيئة الاستثمار

 

وقال الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، إن دمج الوزارات يمثل أحد الحلول لمواجهة الترهل الإداري وتقليل عدد الحقائب الوزارية، موضحًا أن تقليص عدد الوزارات يساهم في الحد من البيروقراطية وتسريع اتخاذ القرار وتحسين بيئة الاستثمار وجودة الخدمات الحكومية.

 

وأشار إلى إمكانية دمج عدد من الوزارات ذات الاختصاصات المتقاربة، ومنها التربية والتعليم مع التعليم العالي، والثقافة مع الإعلام، والتجارة مع الصناعة، إلى جانب توحيد وزارتي البترول والكهرباء في وزارة واحدة للطاقة.

 

كما طرح إمكانية دمج وزارتي الطيران المدني والسياحة، بما يعزز التكامل بين قطاعات النقل والسياحة، مؤكدًا أن إعادة هيكلة الملفات الاقتصادية يمكن أن ترفع كفاءة الإدارة الحكومية.

 

علاء رزق: الدمج يحقق التكامل ويرشد الإنفاق

 

ويرى الدكتور علاء رزق، الخبير الاقتصادي، أن دمج الوزارات يهدف إلى تحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتوحيد الرؤى الاستراتيجية وترشيد الإنفاق العام، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يمكن أن يسهم في تسريع اتخاذ القرار والقضاء على البيروقراطية.

 

وأوضح أن الدمج يساعد على منع تضارب السياسات وتحقيق التكامل بين القطاعات المترابطة، إلى جانب خفض المصروفات المتعلقة بالمباني الحكومية والخدمات اللوجستية والشؤون الإدارية، وتوحيد قطاعات الموارد البشرية والشؤون القانونية والحسابات وتكنولوجيا المعلومات.

 

وأضاف أن الدمج يمكن أن يحسن جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين، من خلال تبسيط الإجراءات والتعامل مع جهة واحدة، فضلًا عن تسهيل التحول الرقمي وربط البيانات الحكومية في منظومة موحدة.

 

وأشار رزق إلى أن التشكيل الوزاري الحالي يضم 32 حقيبة وزارية، معتبرًا أن الاتجاه العالمي يتجه نحو تقليص عدد الوزارات ودمج بعضها لتحقيق تكامل أكبر بين السياسات ذات الصلة.

 

ضرورة وجود رؤية واضحة قبل الدمج

 

وحذر رزق من التسرع في تنفيذ عمليات الدمج قبل وضع رؤية واضحة للدولة في مختلف المجالات، يشارك في إعدادها خبراء متخصصون، مع اختيار قيادات قادرة على تنفيذ هذه الرؤية.

 

وأشار إلى تجربة خطة تقليص عدد الوزارات من 34 إلى 18 وزارة في عام 2018، مؤكدًا أهمية الاستفادة من نتائج التجارب السابقة عند وضع أي خطة جديدة لإعادة هيكلة الحكومة.

 

واقترح تقليص عدد الوزارات إلى نحو 20 وزارة، مع استحداث وزارة للاقتصاد يتولاها وزير بدرجة نائب رئيس مجلس الوزراء، تكون مهمته التنسيق بين الهيئات والجهات والمجالس الاقتصادية المختلفة، بما يجعله بمثابة «مايسترو» للاقتصاد القومي.

 

وأكد أن دمج الوزارات يمكن أن يمثل فرصة للانتقال من منظومات إدارية واقتصادية غير فعالة إلى منظومات أكثر كفاءة، شريطة أن تستند عملية الدمج إلى تحليل واقعي ورؤية واضحة وسياسات عامة تضمن انتقالًا مؤسسيًا سلسًا.

 

وتشير مجمل الآراء إلى أن دمج الوزارات لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته، وإنما أداة لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، وتحقيق التكامل بين القطاعات، وخفض النفقات، وتحسين الخدمات، ورفع كفاءة اتخاذ القرار، بما يتناسب مع التحديات الاقتصادية والإدارية التي تواجه الدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى