خبير أردني يحذر: تسييس الدين أخطر أسلحة جماعة الإخوان

خلف ستار الدين والعمل الدعوي والخيري، استطاعت جماعة الإخوان الإرهابية التسلل إلى دوائر صنع القرار والمؤسسات التشريعية في عدد من الدول العربية، قبل أن تنتبه مؤسسات الدولة، ومن بينها المملكة الأردنية الهاشمية، إلى حجم التهديد الذي تمثله الجماعة على النسيج المجتمعي وركائز الأمن القومي.
ومع دخول عام 2026، واقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإدارة الأمريكية للبت في تصنيف جماعة الإخوان وأذرعها على قوائم الإرهاب، دار حوار مع الخبير الاستراتيجي وأستاذ العلاقات الدولية الأردني الدكتور حسن البراري، للحديث عن دور الجماعة في إجهاض التجارب الديمقراطية في العالم العربي، ومظاهر نشر العنف وتهديد الاستقرار داخل الأردن.
تسييس الدين والتحزيب أخطر ما يهدد الأردن
في بداية الحوار، أكد الدكتور حسن البراري، أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية، أن جماعة الإخوان الإرهابية تسببت في أضرار جسيمة للأردن على ثلاثة مستويات رئيسية، أولها تسييس الدين وربط الخطاب الديني بأجندة حزبية، ما عمّق حالة الاستقطاب داخل المجتمع بين «إسلاميين» و«غير إسلاميين».
وأوضح أن المستوى الثاني يتمثل في إضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية من خلال خطاب دائم يشكك في شرعية الدولة وسياساتها، ويُقدّم الجماعة باعتبارها الممثل «الشرعي» الوحيد للإسلام، بينما يتمثل المستوى الثالث في خلق ولاءات عابرة للحدود مرتبطة بالتنظيم الدولي، وهو ما أثار حساسية حقيقية تجاه قضايا الأمن الوطني، خاصة في دولة يقوم استقرارها على توازنات اجتماعية دقيقة مثل الأردن.
تصنيع السلاح.. تجاوز خطير للخطوط الحمراء
وأشار البراري إلى أن قضية تصنيع بعض العناصر المرتبطة بالإخوان للأسلحة داخل الأردن تمثل نقطة تحول خطيرة، بعدما انتقلوا من العمل الدعوي والسياسي إلى محاولة تصنيع أسلحة وصواريخ وطائرات مسيّرة، والتخطيط لاستخدامها.
وأكد أن التحقيقات الرسمية والأحكام القضائية كشفت بوضوح أن خطًا أحمر قد تم تجاوزه، وهو ما عزز داخليًا قناعة الدولة بأن جزءًا من هذا التنظيم قد يتحول إلى تهديد أمني مباشر، فيما أرسلت القضية إقليميًا رسالة واضحة بأن الأردن لن يسمح بتحويل أراضيه إلى ساحة صراع أو منصة لتصفية حسابات إقليمية، أو استخدام القضية الفلسطينية كذريعة لتحدي الدولة أو الزحف على اختصاصاتها.
الإخوان وإجهاض التجارب الديمقراطية
وحول الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها جماعة الإخوان في حق الشعوب العربية، أكد البراري أن الاتهامات الموجهة للجماعة متعددة، أبرزها استغلال لحظات التحول الديمقراطي في دول مثل مصر وتونس لخدمة مشروع حزبي ضيق، ما ساهم في إفشال تجارب انتقال ديمقراطي كان من الممكن أن تنجح لو توفرت شراكات وطنية أوسع.
وأضاف أن الجماعة سعت إلى تغذية الانقسام المجتمعي والطائفي عبر خطاب يقوم على ثنائية «معنا أو ضدنا»، واحتكار تمثيل الإسلام، وهو ما أدى في بعض الدول إلى صدامات داخلية، فضلًا عن توفير حواضن فكرية لتيارات أكثر تشددًا، حتى وإن لم تمارس العنف بشكل مباشر في بعض السياقات.
كيف واجهت الدولة الأردنية نفوذ الإخوان؟
وأوضح البراري أن الدولة الأردنية تعاملت مع الجماعة عبر مزيج من الأدوات القانونية والسياسية والأمنية، بدءًا من تصحيح الوضع القانوني للجماعة، مرورًا بقرارات قضائية بحلها لعدم توفيق أوضاعها، وإغلاق مقارها ومصادرة أصولها على خلفية قضايا تمس الأمن الوطني.
وأشار إلى أن الدولة شجعت نشوء أطر إسلامية بديلة أكثر التزامًا بالقانون الوطني، وقيدت النشاط السياسي للجماعة ضمن قواعد دستورية واضحة، ما أدى عمليًا إلى تقليص نفوذها وحضورها في الشارع.
تصنيف الإخوان بين الردع والمخاطر
وعن قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف بعض فروع الإخوان كمنظمات إرهابية، أوضح البراري أن للقرار بعدين متناقضين؛ الأول يتمثل في كونه رسالة ضغط قوية ضد الفروع المرتبطة بالعنف ودعم التنظيمات المسلحة، والثاني يتمثل في مخاطر التعميم التي قد تخلط بين العمل السياسي السلمي والعنف، بما قد يدفع بعض الشباب نحو مزيد من التطرف.
وأكد أن أي تصنيف يجب أن يكون دقيقًا ومبنيًا على أدلة واضحة، ويميز بين من يمارس أو يدعم العنف ومن يعمل في إطار سياسي سلمي.
مواجهة الفكر المتطرف لا تكون أمنيًا فقط
وشدد الدكتور حسن البراري على أن مواجهة الفكر المتطرف لا يمكن أن تعتمد على الحل الأمني فقط، بل تحتاج إلى مسارات متكاملة، تشمل إصلاحًا دينيًا وفكريًا يعيد الاعتبار للخطاب الوسطي، وتعليمًا ناقدًا يعزز التفكير النقدي، وتنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية تقلل من الإحباط الذي تستغله الجماعات المتشددة في التجنيد.
كما دعا إلى فضاء سياسي منفتح يسمح بوجود معارضة سلمية مسؤولة، وإعلام مهني يفضح التلاعب بالدين والشعارات، إلى جانب قانون صارم يجرّم التحريض على العنف وتمويله مع احترام حقوق الإنسان.
الإخوان.. مشروع سياسي بغطاء ديني
واختتم البراري حديثه بالتأكيد على أن جماعة الإخوان، رغم ادعائها العمل الدعوي والإصلاحي، هي في جوهرها حركة سياسية ذات مرجعية دينية، تستخدم الدعوة والخدمات الاجتماعية كأدوات لبناء قاعدة شعبية وتنظيمية تمهيدًا للوصول إلى السلطة أو التأثير عليها.
وأوضح أن انتشار الجماعة داخل مؤسسات المجتمع كان جزءًا من استراتيجية طويلة المدى لبناء «مجتمع موازٍ» موالٍ للتنظيم، وهو ما يفسر حساسية العديد من الدول العربية تجاه نشاطها، خاصة عندما يتجاوز الأطر القانونية ويتصل بتنظيمات عابرة للحدود.



