حكاية مسجد محطة الرمل.. القائد إبراهيم أيقونة الإسكندرية التي تعانق التاريخ وتفتح أبواب السماء في رمضان

في قلب الإسكندرية، حيث تتلاطم أمواج البحر المتوسط مع صخب الحياة في ميدان محطة الرمل، يقف مسجد القائد إبراهيم شاهداً حياً على تداخل فريد بين الدين والتاريخ، وبين فنون العمارة وحكايات المدينة التي لا تهدأ.
وهذا المسجد ليس مجرد بناء من الحجر والرخام تقام فيه الصلوات الخمس، بل هو علامة حضرية راسخة في وجدان كل سكندري، حيث ارتبط اسمه بالميدان وصار الميدان يُعرف به، حتى تحول كلاهما إلى وجه واحد لمدينة تعشق التفاصيل وتعتز برموزها الوطنية.
بدأت قصة هذا الصرح العظيم في عام 1948، تزامناً مع مرور مائة عام على وفاة إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا ومؤسس الجيش المصري الحديث والقائد العسكري الذي دوخ الجيوش في الشام والحجاز.
ولم يكن بناء المسجد مجرد عمل ديني تقليدي، بل كان مشروعاً يحمل أبعاداً وطنية عميقة أرادت من خلاله الدولة المصرية ترسيخ الرموز التي شكلت ملامح مصر الحديثة، فجاء المسجد ليقدم القائد العسكري في صورة معلم روحي جامع يربط بين بطولات الماضي وروحانية الحاضر.
ولم يكن اختيار موقع المسجد في قلب ميدان محطة الرمل عشوائياً، بل جاء ليضعه في نقطة التقاء الطرق الأكثر حيوية في المدينة، حيث يطل على الكورنيش ويجاور ميدان صفية زغلول وحديقة الخالدين وكلية الطب، مما جعله جزءاً لا يتجزأ من المشهد اليومي والبصري للمدينة، فلا يمكن لمن يمر بالإسكندرية أن يخطئ مئذنته الرشيقة التي تعانق السماء.
وتولى تصميم هذا المسجد المهندس الإيطالي الأصل ماريو روسي، الذي كان يشغل منصب كبير مهندسي الأوقاف، وهو الرجل الذي اشتهر بقدرته الفائقة على فهم العمارة الإسلامية وإعادة صياغتها بروح عصرية، فقدم نموذجاً معمارياً انتقائياً يجمع بين فخامة العمارة المملوكية وأناقة الزخارف الأندلسية، حيث تظهر القبة والمئذنة بطابع مملوكي من حيث الضخامة والرشاقة، بينما اعتمدت الواجهات على العقود الأندلسية المفصصة التي تضفي خفة فنية على الكتلة المعمارية الكلية للمسجد.
أما أكثر ما يميز مئذنة القائد إبراهيم ويثير دهشة الزوار، فهو تلك الساعة الضخمة المثبتة في واجهتها، وهي إضافة لم تكن مألوفة في تصميم المساجد المصرية في ذلك الوقت.
ولم يكن وجود هذه الساعة ترفاً أو عنصراً جمالياً فحسب، بل كان استجابة لحاجة اجتماعية ملحة في أربعينيات القرن العشرين، حيث لم تكن الساعات الشخصية منتشرة بين عامة الناس، فكانت المئذنة تؤدي دوراً زمنياً حيوياً بضبط إيقاع الحركة اليومية للمارة وتنظيم مواعيدهم في واحد من أكثر ميادين الإسكندرية ازدحاماً، لتتحول المئذنة من رمز ديني إلى مرجع زمني عام يربط بين العبادة والحياة العملية.
ومع حلول شهر رمضان من كل عام، يكتب مسجد القائد إبراهيم فصلاً جديداً من فصول حكايته مع الإسكندرية، حيث يتحول المسجد ومحيطه إلى ساحة روحية كبرى لا تضاهيها مساحة أخرى في المدينة.
وفي صلوات التراويح والتهجد، وخاصة في العشر الأواخر من الشهر الكريم، يفد المصلون من كل حدب وصوب لتكتظ بهم أروقة المسجد وتمتد صفوفهم لتشغل ميدان محطة الرمل وميدان صفية زغلول وتصل أحياناً إلى أرصفة الكورنيش، في مشهد إيماني مهيب يؤدي أحياناً إلى توقف حركة المرور تماماً، ليؤكد المسجد من جديد أنه ليس مجرد جدران ومآذن، بل هو نبض المدينة الصادق وشاهدها الذي يقرأ التاريخ قبل العمارة، ويضبط وقت الإسكندرية قبل أن يرفع أذان الصلاة.



