حريق المسجد النبوي ودخول الإسلام مصر.. حكايات الأول من رمضان التي غيرت وجه التاريخ

لم يكن الأول من رمضان يوماً عادياً في سجلات الأمة، بل كان موعداً مع أحداث جسام رسمت ملامح الحضارة من مشرقها إلى مغربها. ففي هذا اليوم، تلاقت لحظات النصر والفتح في مصر والأندلس، مع لحظات الألم والحريق في المدينة المنورة، وصولاً إلى ميلاد العقل الذي فسر سر قيام هذه الحضارات وسقوطها، وهو العلامة ابن خلدون.
تعد عام 20 للهجرة المحطة الأبرز في علاقة هذا اليوم بمصر، حيث دخلت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة القائد عمرو بن العاص إلى أرض الكنانة بأمر من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ولم يكن هذا الحدث مجرد انتصار عسكري، بل كان تحولاً جذرياً إيذاناً ببدء عصر جديد جعل من مصر قلباً نابضاً للحضارة الإسلامية، ومنطلقاً لانتشار الفكر والعمارة في القارة الإفريقية.
وفي نفس التاريخ من عام 654 هـ، اهتز العالم الإسلامي لوقع فاجعة كبرى، حين اندلع حريق هائل في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة. النيران التي نشبت ليلاً التهمت أجزاءً واسعة من البناء الخشبي والأسقف، وصولاً إلى احتراق المنبر النبوي التاريخي.
وهذه الكارثة لم تمس الحجارة فحسب، بل طالت رمزاً روحيًا جامعاً؛ مما دفع حكام المسلمين من مختلف الأقاليم إلى التكاتف فوراً لإعادة إعمار المسجد وترميمه، ليتحول هذا الألم إلى ملحمة تضامن إسلامي كبرى أعادت للمسجد بهاءه بمتانة وقوة أكبر.
محطات الفتح والجهاد في ظلال رمضان
لم يقتصر سجل البطولات في هذا اليوم على أرض مصر، بل امتد ليشمل قارات أخرى:
فتح الأندلس (91 هـ): شهد الأول من رمضان انطلاق أولى خطوات الفتح بعبور سرية استكشافية بقيادة طريف بن مالك إلى الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة الإيبيرية، لتمهد الطريق أمام الفتح العظيم للأندلس.
معركة بلاط الشهداء (114 هـ): في مثل هذا اليوم كانت تدور رحى واحدة من أعنف المعارك في جنوب فرنسا بين جيش المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي وجيش الفرنجة، وهي المواجهة التي دامت عشرة أيام وسجلت فصلاً هاماً في تاريخ الصراع الإسلامي الأوروبي.
ميلاد العقل الخلدوني وتفسير التاريخ (732 هـ)
وكأن القدر أراد لهذا اليوم أن يختتم سجلاته ببناء العقل كما بدأها بفتح الأرض؛ ففي الأول من رمضان عام 732 هـ، وُلد عبد الرحمن بن خلدون، مؤسس علم الاجتماع ومنظر فلسفة التاريخ. ابن خلدون هو الذي قدم للعالم “المقدمة” الشهيرة، ليضع قواعد علمية لفهم أسباب قيام الدول وسقوطها، محولاً التاريخ من مجرد قصص تُروى إلى علم نقدي رصين.
لقد جمع الأول من رمضان بين ثنائيات مذهلة؛ فبينما كانت السيوف تفتح مصر والأندلس، كانت النيران تحرق أجزاء من المسجد النبوي، وكان العقل الخلدوني يولد ليفسر للعالم كيف تُبنى الحضارات من وسط الركام، ليظل هذا اليوم شاهداً على أمة تمرض ولكنها لا تموت، تحترق أخشاب مساجدها فتبنيها من جديد بالذهب والرخام، ويولد مفكروها في أصعب الظروف ليغيروا وجه الإنسانية.



