تقارير وتحليلات

حرب الدولة على “لصوص التيار”.. تعديلات قانون الكهرباء الجديد وتكشف بالأرقام كيف التهمت السرقات 30% من إنتاج الطاقة 

بينما تسعى الدولة جاهدة لترسيخ دعائم استقرار منظومة الطاقة وتحديث شبكاتها القومية، تبرز قضية “سرقات التيار الكهربائي” كعدو صامت يستنزف مقدرات الوطن. ومع الإعلان عن التعديلات التشريعية الجديدة لقانون الكهرباء، فُتح الباب على مصراعيه لنقاش عام يتجاوز فكرة العقوبات، ليصل إلى جوهر “العدالة الاجتماعية” وحماية المواطن الذي يدفع ثمن استهلاكه بانتظام، ليجد نفسه مضطراً لتحمل تبعات استهتار الآخرين.

فلسفة القانون: الدفاع عن “الشريف” لا الجباية في قراءة تحليلية للمشهد، يرى الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، أن التعديلات الأخيرة ليست مجرد نصوص عقابية، بل هي “وثيقة حماية” للمواطن الملتزم. ويؤكد الشناوي أن الفلسفة الحقيقية للقانون تقوم على رفع الظلم عن كاهل الشخص الذي يسدد فواتيره بانتظام، بينما يقوم “لص التيار” بتحميل فاقد سرقته على الشبكة العامة، مما يؤثر على جودة الخدمة واستقرار التغذية الكهربائية للجميع دون تمييز.

نزيف الطاقة: عندما يضيع 30% من الإنتاج هباءً الأرقام التي كشف عنها الشناوي تدق ناقوس الخطر؛ حيث تحولت السرقات من مخالفات فردية إلى “ظاهرة منظمة” تتسبب في فقدان ما بين 25% إلى 30% من إجمالي الطاقة المولدة. هذا “النزيف الفني والمالي” يمثل كارثة في منظومة تعتمد بالأساس على وقود وغاز طبيعي بمليارات الدولارات. الضرر هنا لا يتوقف عند الخسارة المالية، بل يمتد لإنهاك المحولات ورفع معدلات الأعطال والانفجارات المفاجئة الناتجة عن التوصيلات العشوائية التي تهدد حياة المواطنين في المناطق السكنية.

الصدمة: علاقة السرقات بـ “تخفيف أحمال صيف 2024” في كشف صريح للأسباب الخفية وراء أزمات الصيف الماضي، أشار خبير الطاقة إلى أن سرقات التيار كانت أحد “المتهمين الرئيسيين” في تطبيق خطة تخفيف الأحمال خلال صيف 2024. ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تحاول تلبية ذروة الاستهلاك غير المسبوقة، كانت التعديات غير القانونية تلتهم جزءاً معتبراً من الطاقة التي كان من المفترض أن تذهب للمستشفيات، والمصانع، والبيوت الملتزمة، مما اضطر المسؤولين للجوء إلى حلول استثنائية لتفادي انهيار الشبكة القومية بالكامل.

تجميد التطوير.. الثمن الباهظ الذي يدفعه المرفق علاوة على الأزمات اليومية، تسببت الخسائر المتراكمة الناتجة عن السرقات في “فرملة” خطط التحديث. فالموارد المالية التي تضيع في “الفقد غير القانوني” كان من المفترض توجيهها لإحلال الكابلات القديمة وتوسيع قدرات المحطات في المناطق الأكثر احتياجاً. استمرار هذا الوضع يعني ببساطة تأخير مشروعات الصيانة الدورية وتراجع جودة الخدمة المقدمة للمواطن على المدى الطويل.

التوازن التشريعي: عقوبات رادعة وفتح باب التقنين لم يغفل المشرع المصري البعد الاجتماعي؛ حيث أكد الشناوي أن التعديلات الجديدة حققت توازناً دقيقاً؛ فهي تضرب بيد من حديد على “المحترفين” ومن يتعمدون الإضرار بالمال العام، وفي الوقت ذاته تفتح أبواباً قانونية لتقنين الأوضاع وتشجيع المخالفين على التحول إلى المسار الشرعي، مع مراعاة الفئات البسيطة التي قد تكون خالفت نتيجة ظروف استثنائية.

الخلاصة: رسالة سيادية لا تقبل التأويل إن تعديلات قانون الكهرباء هي رسالة واضحة من الدولة: “لا تهاون مع إهدار الموارد الاستراتيجية”. فنجاح المنظومة لا يعتمد فقط على قوة نصوص القانون، بل على وعي مجتمعي يدرك أن سرقة الكهرباء ليست “شطارة”، بل هي اعتداء مباشر على حق الجار، وتخريب متعمد لمرفق لا يقل أهمية عن الغذاء والماء في حياة المصريين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى