ثورة التمكين تحت قبة البرلمان.. محمود تركي يقدم أول استراتيجية وطنية لدمج ذوي الإعاقة.. الانتقال من الرعاية التقليدية إلى “الشراكة التنموية

في جلسة تاريخية شهدتها أروقة مجلس النواب المصري، وفي مستهل دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثاني، طُرحت على طاولة النقاش أول دراسة برلمانية متكاملة تمثل نقطة تحول جذري في تعامل الدولة مع ملف “القادرون باختلاف”. الدراسة التي قدمها النائب محمود تركي، عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، تحت عنوان “الاستراتيجية الوطنية لذوي الإعاقة”، لم تكتفِ بطرح حلول قطاعية، بل قدمت “فلسفة بديلة” تنسف المفاهيم التقليدية القائمة على الرعاية والدعم، لتستبدلها بنهج “التمكين الشامل” الذي يحول الأشخاص ذوي الإعاقة من مجرد متلقين للخدمات إلى شركاء فاعلين وصناع للقرار في مسيرة التنمية المستدامة.
تشخيص الواقع: ما بعد النصوص والتشريعات
انطلقت الدراسة من رؤية واقعية وجريئة؛ مفادها أن التحدي الحقيقي في مصر لم يعد يكمن في غياب القوانين، بل في قدرة هذه القوانين على التحول إلى واقع ملموس. ورغم توافر بنية تشريعية داعمة، إلا أن الدراسة شخصت بوضوح “أوجاع” الواقع العملي، المتمثلة في:
تشتت الخدمات بين الجهات المختلفة وضعف التكامل المؤسسي.
محدودية النفاذ الفعلي لفرص التعليم والعمل الجاد.
الأنماط الثقافية الموروثة التي لا تزال تنظر للإعاقة بنظرة استثنائية بدلاً من كونها قضية حقوق أصيلة.
نظرية التغيير: ثلاث ركائز لصناعة المستقبل
لكي لا تظل الرؤية “حبراً على ورق”، وضعت الدراسة خارطة طريق استراتيجية تستند إلى ثلاث ركائز حاكمة، تشكل العصب الرئيسي لكافة التوصيات:
هندسة الخدمات الشاملة: وتستهدف إعادة تصميم منظومات الصحة والتعليم لتتمحور حول احتياجات الفرد، بما يدعم استقلاليته واندماجه المجتمعي الكامل.
التمكين الاقتصادي المستدام: الركيزة التي تهدف لتحويل ذوي الإعاقة إلى “فاعلين اقتصاديين” عبر ربط تدريبهم المهني باحتياجات السوق الفعلية، وضمان نفاذهم العادل لفرص التوظيف وريادة الأعمال.
التحول الثقافي والمجتمعي: وهي الركيزة “الحاسمة”؛ إذ تؤكد الدراسة أن نجاح أي إصلاح مؤسسي مرهون بتغيير نظرة المجتمع، وترسيخ ثقافة القبول والدمج كحق لا كمنحة.
خارطة الطريق.. 6 مسارات تنفيذية من التشريع إلى الحوكمة
انتقلت الدراسة من الرؤية النظرية إلى “المسارات الستة” المترابطة التي تضمن الاستدامة:
أولاً: المسار التشريعي (ترسيخ الإطار القانوني) دعت الدراسة إلى تحديث جذري لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، مع وضع نص صريح وملزم لتطبيق “كود الإتاحة” في كافة المنشآت العامة والخاصة، وجعل “التعليم الدامج” معياراً إلزامياً لاعتماد أي مؤسسة تعليمية في مصر.
ثانياً: المسار التنفيذي (تحويل النصوص لواقع) طالبت الدراسة بإطلاق خطة وطنية شاملة للإتاحة تحت رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، مع إعادة هندسة “بطاقة الخدمات المتكاملة” لميكنة كافة مراحلها وضمان وصول الدعم لمستحقيه بعدالة وكفاءة عبر مركز دعم موحد.
ثالثاً: المسار البشري والخدمي (الاستثمار في الإنسان) اقترحت الدراسة بناء منظومة تدريب وطنية شاملة تستهدف مهندسي المحليات لتطبيق كود الإتاحة، والمعلمين، والأطباء. كما نادت بإطلاق “المسار السريع” لذوي الإعاقة داخل منظومة التأمين الصحي الشامل لضمان سرعة الجودة والخدمة.
رابعاً: مسار التمويل المستدام (ضمان الاستمرارية) لكي لا ترتهن الاستراتيجية لمصادر مؤقتة، اقترحت الدراسة إنشاء “صندوق دعم الإتاحة والدمج”، بتمويل متنوع يشمل فوائض الهيئات الاقتصادية، مخصصات المسؤولية المجتمعية للشركات، وحصيلة غرامات مخالفة كود الإتاحة.
خامساً: المسار الرقابي (المساءلة والشفافية) شددت الدراسة على إلزام كافة الوزارات بتقديم تقارير سنوية للبرلمان تتضمن أرقاماً دقيقة حول نسب الالتزام بكود الإتاحة ومؤشرات الدمج الفعلي، لضمان الرقابة الشعبية المستمرة.
سادساً: مسار التنسيق والحوكمة (منع التداخل) اختتمت الدراسة بضرورة إنشاء منصات رقمية مشتركة لتبادل البيانات بين كافة جهات الدولة، مع تفعيل مبادئ الحوكمة الرشيدة التي تشرك الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في صياغة السياسات ومتابعة تنفيذها على أرض الواقع.
تأتي هذه الدراسة لترسم ملامح مجتمع أكثر عدلاً وشمولاً، وتضع الدولة المصرية أمام مسؤوليتها التاريخية في تحويل “حقوق ذوي الإعاقة” من شعارات إلى واقع يلمسه كل مواطن تحت سماء الوطن.



