تقارير وتحليلات

بين شقق الـ 350 ألفاً وفيلات الـ 700 مليون.. لماذا يلتهم الإيجار نصف دخل البسطاء بينما تتحول الفيلات لمخزن أموال للأغنياء؟

السكن حق دستوري كفله الدستور المصري لكل المواطنين، ومع الأزمة الاقتصادية الأخيرة والارتفاعات غير المسبوقة في الأسعار والتي طالت كل نواحي الحياة انعكست بشكل مباشر على السكن والسوق العقاري ككل، وباتت هناك فجوة واضحة بين أسعار شقق المناطق الراقية والكومباندات المخملية وما يقابلها بمناطق الفقراء وأصحاب الدخول المنخفضة، وبات بند السكن يشكل عبئا كبيرًا على أصحاب الدخول الضعيفة، وتراوح ما بين 30-40% من دخل الأسرة بحسب تقديرات خبراء.

 

وعلى مستوى أسعار أرخص شقق في مصر، تتراوح ما بين 350–500 ألف جنيه، وحدات سكنية بمساحات 50–60 مترا مربعا في أطراف المناطق الشعبية، وفي المقابل ارتفعت أسعار المناطق الفاخرة، ومن المفارقات أن سعر الفيلا بمنطقة القطامية بالتجمع الخامس وصل لقرابة 700 مليون جنيه على مساحة حوالي 4000 متر مربع. كما تراوح سعر المتر للوحدات السكنية ما بين 27,000–70,000 جنيه في بعض المناطق الراقية كالزمالك والشيخ زايد والقاهرة الجديدة.

 

وفي ذات السياق، يقول الدكتور سيف الدين فرج، أستاذ التخطيط العمراني، إن ملف السكن في مصر يعكس تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، حيث إن الإسكان مشكلته في مصر أن هناك فجوة بين دخل المواطن وتكلفة المسكن، حيث لم يعد المسكن مجرد حق اجتماعي، بل أصبح في كثير من الأحيان سلعة تخضع لمنطق السوق والقدرة الشرائية، وبين واقع «مصر» ومعادلة «إيجيبت» تتسع الهوة، وتظل الأسئلة مطروحة: كيف تحول السكن في مصر من حق اجتماعي أساسي إلى عبء اقتصادي يثقل كاهل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل؟ وإلى أي مدى تعكس الفجوة بين المناطق الشعبية والكمبوندات اختلال توزيع الدخل والفرص داخل المجتمع الواحد؟ ولماذا أصبح السكن في المناطق الراقية أداة استثمار وادخار، بينما ظل في المناطق الشعبية مجرد وسيلة للبقاء؟ وما الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على اتساع الفجوة السكنية بين «مصر» و«إيجيبت»؟

 

ويؤكد الدكتور سيف الدين فرج أن التحول الجوهري في ملف السكن بدأ مع تغير فلسفة التعامل مع العمران من كونه خدمة اجتماعية إلى كونه نشاطًا اقتصاديًا تحكمه آليات السوق، حيث أصبح الحصول على مسكن مناسب يتطلب قدرة شرائية لا تتوافر لغالبية الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

 

ويضيف أن دخول شريحة واسعة من المواطنين لم تعد تواكب معدلات التضخم المتسارعة، ما جعل الإنفاق على السكن يستحوذ على نسبة غير متوازنة من الدخل الشهري، محولًا المسكن من عنصر استقرار إلى مصدر ضغط دائم على ميزانيات الأسر، خاصة في المدن الكبرى.

 

الفجوة بين المناطق الشعبية والكمبوندات

 

ويوضح الدكتور فرج أن التباين الحاد بين المناطق الشعبية والمجتمعات السكنية المغلقة لا يعكس فقط اختلافًا عمرانيًا، بل يكشف عن خلل هيكلي في توزيع الدخل والفرص داخل المجتمع، فالمناطق الراقية تستقطب الاستثمارات والخدمات عالية الجودة، بينما تعاني المناطق الشعبية من نقص مزمن في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

 

ويشير إلى أن التخطيط العمراني في كثير من الأحيان جاء تابعًا لمنطق السوق وليس لاحتياجات المجتمع، ما أدى إلى تركز التنمية في مناطق بعينها، مقابل تهميش مناطق أخرى، الأمر الذي عزز الفجوة الطبقية وكرّس الإحساس بوجود «مدينتين داخل مدينة واحدة».

 

السكن في المناطق الراقية أداة استثمار وادخار

 

كما يرى الدكتور سيف الدين فرج أن السكن في المناطق الراقية لم يعد ينظر إليه بوصفه مأوى فقط، بل تحول إلى مخزن للقيمة ووسيلة للتحوط ضد التضخم، فارتفاع أسعار الوحدات السكنية في هذه المناطق جعلها جاذبة لرؤوس الأموال الباحثة عن عائد آمن، خاصة في ظل تقلبات الأسواق المالية.

 

ويضيف أن هذا النمط عزز فكرة السكن كأداة ادخار واستثمار طويل الأجل، حيث تُشترى الوحدات أحيانًا دون نية السكن الفعلي، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر، وأبعد هذه المناطق عن كونها حلًا سكنيًا، لتصبح جزءًا من اقتصاد المضاربة العقارية.

 

السكن في المناطق الشعبية وسيلة للبقاء

 

كما أشار الدكتور فرج إلى أن السكن في المناطق الشعبية يظل مرتبطًا بوظيفة البقاء وتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية، فالوحدات هناك تفتقر غالبًا إلى الجودة والخدمات، كما أن قيمتها السوقية محدودة، ما يحرم السكان من الاستفادة منها كأصل اقتصادي، ويؤكد أن المواطن في هذه المناطق لا يملك رفاهية التفكير في السكن كاستثمار، لأن أولويته تظل موجهة لتقليل النفقات وتجنب المخاطر، في ظل غياب سياسات تمويلية مرنة أو أدوات دعم حقيقية تمكنه من تحسين وضعه السكني.

 

الآثار الاقتصادية والاجتماعية لاتساع الفجوة السكنية بين «مصر» و«إيجيبت»

 

يحذر الدكتور سيف الدين فرج من أن اتساع الفجوة السكنية يحمل تداعيات خطيرة على التماسك الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، فالفصل المكاني بين الطبقات يؤدي إلى تراجع الإحساس بالعدالة، ويعمق الشعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة من المجتمع، اقتصاديًا، يؤكد أن استمرار هذا الوضع يحد من الإنتاجية، ويزيد من تكاليف المعيشة، ويخلق مدنًا غير متوازنة تعتمد على الاستهلاك أكثر من التنمية، أما اجتماعيًا، فيؤدي إلى تآكل الروابط المجتمعية، وظهور أنماط من العزلة والانقسام بين «مصر» التي تكافح للبقاء و«إيجيبت» التي تعيش منطق الرفاهية.

 

تفاوت مذهل بين مناطق عصرية وأخرى تتسم بالفقر المعيشي

 

تتباين أنماط الحياة بشكل واضح في مصر، حيث يوجد تفاوت مذهل بين مناطق سكنية عصرية تتمتع بالرفاهية، وبين مناطق أخرى تتسم بالفقر والازدحام المعيشي. السكن في هذه المناطق لا يعكس فقط اختلافات في المرافق والخدمات، بل يبرز أيضًا فجوة اقتصادية واجتماعية تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين. وفي هذا السياق، تحدثت الدكتورة درية ماضي، خبيرة الاقتصاد ومدرس الاستثمار بجامعة عين شمس، عن هذا الملف الذي يعكس تحولات اقتصادية عميقة تتجاوز الجدران والأسقف لتكشف عن حالة المعيشة في بلد واحد، رغم التنوع الهائل في أنماط الحياة.

 

السكن في المناطق الشعبية.. اقتصاد الضرورة

 

في المناطق الشعبية، ينظر إلى السكن باعتباره حاجة ملحة لا تقبل التأجيل، وليس استثمارًا قد يحقق عوائد مالية مستقبلية، كما تقول الدكتورة درية ماضي: “السكن في هذه المناطق ليس فقط مأوى، بل هو عبء مالي ثقيل على الأسر التي تتقاضى دخلًا ثابتًا، لا يتماشى مع الزيادة المستمرة في الأسعار، خاصة في ظل التضخم وارتفاع تكاليف مواد البناء”.

 

وتضيف ماضي أن غالبية هذه المناطق تتميز بكثافة سكانية عالية، مما يضاعف الضغط على المرافق والخدمات العامة، مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي، كما أن تكلفة الإيجارات تأخذ حصة كبيرة من دخل الأسرة، مما يقلل من قدرتها على الادخار أو تحسين مستوى المعيشة.

 

السكن في المناطق شديدة الفقر.. أزمة معيشية متفاقمة

 

وتستعرض الدكتورة درية ماضي الوضع في المناطق الشعبية التي تعاني من الفقر المدقع، حيث لا يقتصر الأمر على تدني مستوى المعيشة فقط، بل يمتد إلى تدني جودة السكن أيضًا، تقول: “هنا، لا يجد المواطنون الراحة حتى في بيوتهم، المنازل قديمة، تتعرض لخطر الانهيار في أي وقت، والمرافق الأساسية غائبة، وبالطبع، قيمة هذه المنازل تظل شبه معدومة، مما يضاعف من هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي”.

 

المجتمعات السكنية الراقية والكمبوندات.. اقتصاد الرفاهية

 

على الطرف الآخر، تبرز صورة «إيجيبت» الحديثة في المجتمعات السكنية المغلقة أو الكمبوندات، التي توفر نمط حياة فاخرة، وفي تعليقها تقول الدكتورة ماضي: “السكن في هذه المناطق أصبح أداة استثمارية بامتياز، الوحدات السكنية هناك تُسوّق بوصفها استثمارًا، لا مجرد مأوى، ويشهد الطلب عليها ارتفاعًا مستمرًا، مدفوعًا بالرغبة في تحسين المستوى الاجتماعي أو تحقيق أرباح رأسمالية من خلال زيادة القيمة السوقية للعقار”.

 

وتشمل هذه المجتمعات عادة مساحات خضراء واسعة، أنظمة أمنية متطورة، وخدمات خاصة مثل المدارس والمستشفيات، كما أن أسعار الوحدات السكنية تتأثر بشكل مباشر بحركة السوق العقاري والعوامل العالمية مثل سعر الصرف وتكلفة التمويل، هذه الفئات لا تبحث عن مجرد مكان للعيش، بل عن أداة لزيادة الثروة الشخصية.

 

المقارنة الاقتصادية بين «مصر» و«إيجيبت»

 

وتابعت درية ماضي قائلة: يمكن تلخيص الاختلاف بين “مصر” و”إيجيبت” في منظورين اقتصاديين مختلفين: “في المناطق الشعبية، يستهلك الدخل لتأمين المأوى، بينما في المناطق الراقية، يستثمر الدخل لتعظيم القيمة”، وتوضح الدكتورة ماضي أن هذا التفاوت يعكس في الواقع الاختلاف الكبير في فرص الحياة بين الطبقات المختلفة، حيث يظل السكن في المناطق الشعبية عبئًا ماليًا مستمرًا، بينما يتحول في الكمبوندات إلى أداة لزيادة الدخل وتحقيق الأرباح.

 

وأضافت ماضي: “بينما يعاني المواطن في المناطق الشعبية من ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الفرص الاقتصادية، نجد أن سكان الكمبوندات يملكون القدرة على تخصيص جزء من دخلهم للاستثمار العقاري، وبالتالي يحصلون على عوائد مالية تمكنهم من تعزيز مستوى حياتهم”.

 

اختلال توزيع الدخل والفرص داخل المجتمع المصري

 

الاختلافات الواضحة في أنماط السكن تشير إلى تحولات عميقة في الاقتصاد المصري، لم يعد السكن مجرد حق اجتماعي أو ضرورة حياتية، بل أصبح سلعة خاضعة لمنطق السوق والقدرة الشرائية، وتسَلّط الدكتورة ماضي الضوء على هذه الفجوة الاجتماعية، التي تعد بمثابة مؤشر على اختلال توزيع الدخل والفرص داخل المجتمع المصري.

 

تطرح ماضي تساؤلات جوهرية حول هذه الظاهرة، قائلة: “كيف تحول السكن من حق أساسي إلى عبء اقتصادي؟ وأين تكمن سياسات الحكومة في معالجة هذه الفجوة بين الطبقات الاجتماعية؟” كما تشير إلى أن هذه الفجوة لا تعكس فقط تباينًا في أنماط الحياة، بل تؤثر بشكل مباشر على توزيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية.

 

يمكن القول إن المشهد السكني في مصر يعكس بوضوح الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين الطبقات، حيث يعيش البعض في رفاهية مطلقة، بينما يعاني آخرون من أزمة معيشية دائمة. إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فقد تتسع الهوة بين «مصر» و«إيجيبت»، مما يؤثر سلبًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، والوقت قد حان للبحث عن حلول جذرية تضمن العدالة في توزيع الفرص وتخفيف العبء على المواطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى