تقارير وتحليلات

الكلاب الضالة من عبءٍ يطارد المشاة إلى ثروةٍ مهدرة تنتظر الاستثمار في 2026 .. “الرفق بالحيوان” تضع خارطة طريق لإنهاء أزمة الشوارع

تتكرر أزمة الكلاب الضالة مع كل فجرٍ جديد، ومع أولى خطوات المارة في شوارعنا، يتكرر المشهد ذاته؛ عيونٌ تراقب في حذر، وأجسادٌ نحيلة لحيواناتٍ ضلت طريقها بين جدران المدن، لتصبح طرفاً في صراعٍ لا ذنب لها فيه.

إن ملف “الكلاب الضالة” في مصر لم يعد مجرد شكوى عابرة من “عضة” أو “نباح” يقطع سكون الليل، بل استحال إلى قضية أمن مجتمعي معقدة، تتداخل فيها عواطف الرحمة مع ضرورات الحفاظ على أرواح البشر.

وبينما يرى البعض في هذه الكائنات خطراً يجب الخلاص منه، يطرح خبراء الرفق بالحيوان رؤية مغايرة، مفادها أن الكلب الذي يطارد المارة اليوم، قد يكون حارساً أميناً غداً إذا ما أحسنت الدولة إدارته واستغلاله.

رؤية شهاب عبد الحميد: الهروب من فخ الحلول البطيئة

من قلب هذا الملف الشائك، يطل علينا شهاب عبد الحميد، رئيس جمعية الرفق بالحيوان، برؤية تتجاوز الحلول “المسكنة”.

يرى عبد الحميد أن الدولة المصرية تقف الآن أمام مفترق طرق؛ فإما الاستمرار في نهج “رد الفعل” المنتظر لنتائج برامج التعقيم التي قد تستغرق عقوداً، أو الانتقال فوراً إلى مرحلة “الحلول العاجلة والموازية”.

يؤكد عبد الحميد أن برامج التعقيم والتحصين (TNR) هي “الحل الذهبي” عالمياً، لكن تطبيقها في مصر يصطدم بواقع نقص الكوادر البيطرية وضعف الميزانيات المخصصة للعمليات الجراحية المكثفة.

ومن هنا، يطالب بضرورة وجود خطة “قصيرة المدى” تشعر المواطن بالأمان الفوري، بالتوازي مع الخطة الاستراتيجية التي تهدف لتقليل الأعداد على المدى البعيد.

لماذا فشلت الرصاصة وانتصرت “العلمية والرحمة”؟

يشدد رئيس جمعية الرفق بالحيوان على أن دعوات “التخلص” أو القتل الجماعي للكلاب هي دعوات أثبتت فشلها الذريع تقنياً قبل أن تكون محرمة إنسانياً. العلم يخبرنا أن قتل الكلاب في منطقة ما يؤدي إلى ما يُعرف بـ “الفراغ البيولوجي”؛ حيث تهرع كلاب المناطق المجاورة لاحتلال هذا المكان الخالي وتتكاثر فيه بسرعة أكبر بسبب توفر الغذاء (القمامة).

لذا، فإن القتل ليس حلاً، بل هو وقود جديد لاستمرار الأزمة، فضلاً عن كونه يضرب التوازن البيئي في مقتل، ويسمح بظهور آفات وحيوانات أخرى أكثر خطورة.

الاستثمار في “المورد المهمل”.. كلاب الشوارع في خدمة المجتمع

في لفتة ذكية، يدعو عبد الحميد الدولة المصرية للنظر تحت أقدامها؛ فهذه الآلاف من الكلاب الضالة هي “ثروة بيولوجية” مهدرة.

ويقترح عبد الحميد البدء في فرز هذه الحيوانات وتصنيفها؛ فالكلاب التي تظهر استجابة للتدريب يمكن تأهيلها للعمل في منظومات الحراسة، أو البحث والإنقاذ، أو حتى مرافقة ذوي الهمم، وهو نهج اتبعته دول كبرى نجحت في تحويل “أزمة الشوارع” إلى “قوة فاعلة” تخدم النظام العام وتخفف العبء عن ميزانية استيراد كلاب الحراسة الباهظة من الخارج.

المتهم الأول.. “تلال القمامة” التي تطعم الأزمة

يضع عبد الحميد يده على الجرح الغائر في هذه القضية، مؤكداً أن “القمامة” هي الوقود الحقيقي لانتشار الكلاب الضالة. فالكلب حيوان ذكي، يسكن حيث يتوفر الطعام.

ويشير إلى أن أي محاولة لحل أزمة الكلاب دون إصلاح منظومة جمع القمامة ومنع تراكمها هي “حرث في البحر”.

يرى الخبراء أن تحسين مستوى النظافة وإزالة المخلفات الغذائية من الشوارع كفيل بحل 50% من المشكلة فوراً؛ لأن الكلب سيضطر لمغادرة الكتل السكنية بحثاً عن طعامه في أماكن أبعد، مما يقلل الاحتكاك المباشر مع المواطنين ويسهل على الجهات المعنية السيطرة على هذه الحيوانات وتجميعها.

مشروع “شلاتر المحافظات”.. الحلم الذي ينتظر التنفيذ

كحل نهائي ومستدام، يطرح عبد الحميد مشروع “مراكز الإيواء الموزعة جغرافيًا” (شلاتر).

الفكرة تعتمد على إنشاء مراكز إيواء في كل محافظة، تتناسب سعتها مع تعداد الكلاب فيها. هذه المراكز ستؤدي أدواراً متعددة:

عزل آمن: سحب الكلاب من الشوارع لتقليل الذعر المجتمعي.

رعاية طبية: إجراء عمليات التعقيم والتحصين ضد السعار لضمان بيئة صحية.

تأهيل مهني: تدريب القابل منها للعمل في مهام أمنية أو خدمية.

رقابة وبحث: منع انتقال الأمراض الوبائية ومراقبة السلوك العدواني للحيوانات.

نحو شارع آمن وقلب رحيم

إن ملف الكلاب الضالة في مصر يحتاج إلى “إدارة ذكية” تبتعد عن الانفعال اللحظي. إننا أمام فرصة لتحويل تحدي بيئي إلى نموذج نجاح يُحتذى به، بشرط تكاتف جهود وزارات الصحة، والزراعة، والتنمية المحلية، مع جمعيات المجتمع المدني.

الشارع المصري يستحق أن يكون آمناً، والحيوان يستحق ألا يُظلم بذنوب البشر في إهمال نظافة شوارعهم. إنها دعوة للعمل بروح “الإنسان” وعقل “المستثمر” لطي هذه الصفحة المزعجة من تاريخ شوارعنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى