تقارير وتحليلات

استعدادات مكثفة للأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء لاستقبال رمضان 2026 بين الدعوة والتكنولوجيا والفعاليات المجتمعية

يأتي شهر رمضان كل عام بوصفه لحظة استثنائية في الوعي الديني والاجتماعي للمجتمع المصري، حيث تتكثف فيه الممارسات التعبدية، وتتسع مساحات الخطاب الديني في المجال العام، وتتجه الأنظار إلى المؤسسات الدينية باعتبارها الفاعل المركزي في تنظيم المشهد الروحي والمعرفي للشهر الكريم.

وفي ظل تحولات رقمية متسارعة وتغيرات اجتماعية عميقة، لم يعد رمضان مجرد موسم للعبادة، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها الدعوة مع الإعلام، والخدمة المجتمعية مع السياسة الثقافية، والتقليد الديني مع أدوات العصر الحديثة.

 

وفي هذا السياق، تكشف كواليس خطط واستعدادات الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية لاستقبال الشهر الفضيل، حيث أعدّت المؤسسات الثلاث برامج موسعة تجمع بين المقارئ القرآنية والدروس العلمية والفعاليات الجماهيرية والمبادرات الرقمية.

 

إلى جانب مشروعات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بينما تتواصل النقاشات المجتمعية حول ضوابط الشعائر ومظاهر التدين في الفضاء العام، بما يعكس طبيعة اللحظة الرمضانية بوصفها مرآة لتحولات الدين والمجتمع في مصر المعاصرة.

 

أجواء إيمانية خاصة في الجامع الأزهر خلال رمضان

البداية من الأزهر الشريف حيث وضع الجامع الأزهر خطة دعوية وعلمية موسوعة لتنفيذها في شهر رمضان المبارك، حيث تأتي هذه الخطة في إطار الدور الريادي للأزهر الشريف في نشر الفكر الوسطي المستنير، وتقديم الدعم الروحي والاجتماعي لرواد الجامع من شتى بقاع الأرض.

 

وتشهد الخطة الدعوية والمجتمعية خلال شهر رمضان المبارك هذا العام، فعاليات وأنشطة مكثفة عن العام الماضي، حيث تتضمن عدة محاور منها: أولًا: المقارئ اليومية، والتي تحول الجامع الأزهر خلال الشهر الفضيل إلى خلية نحل قرآنية، حيث تقرر عقد 130 مقرأة يومية متنوعة.

 

وتشمل مقارئ مخصصة للرجال وأخرى للسيدات، وذلك بنظام الحضور المباشر داخل أروقة الجامع، بجانب “الحضور عن بعد” لتمكين المسلمين حول العالم من المتابعة، ويشرف عليها ويؤديها نخبة من المحفظين المعتمدين بالجامع الأزهر لضمان إتقان التلاوة.

 

كما تتضمن الخطة المكثفة، الدروس العلمية والملتقيات الفقهية: حيث أعدت إدارة الجامع الأزهر برنامجًا فكريًا مكثفًا يضم أكثر من 100 درس ومحاضرة، موزعة كالتالي: فترة الظهر: 52 درسًا تحت عنوان “رياض الصائمين” للرجال، وأخرى “رمضانيات نسائية” للسيدات، ودروسا خلال فترة العصر وتضم 26 درسًا للرجال تحت عنوان “باب الريان”، وعقب التراويح 30 درسًا.

 

بالإضافة إلى 29 ملتقىً فقهيًا يوميًا لمناقشة قضايا الصيام والعبادات، ويشارك في تقديم هذه الدروس نخبة من أعضاء هيئة كبار العلماء، وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر، ووعاظ وواعظات الأمانة العامة للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، بالتعاون مع مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.

 

ويأتي ثالث تلك المحاور المهمة خلال الشهر المبارك، متمثلا في شعائر وصلاة التراويح بالقراءات العشر، حيث تقام صلاة التراويح بالجامع الأزهر هذا العام بواقع 20 ركعة يوميًا، تتميز بتلاوتها بالقراءات العشر الكبرى، لتعريف المصلين بتراث القراءات القرآنية المتنوعة، وفي العشر الأواخر، يستعد الجامع لإقامة صلاة التهجد بواقع 8 ركعات كل ليلة، لتكتمل الأجواء الإيمانية في ليالي العتق من النار.

 

أما رابع تلك المحاور، فيتمثل في الاحتفالات الدينية والذكرى السنوية لأول صلاة في الجامع الأزهر، حيث يحتفي الجامع بـ 7 مناسبات كبرى خلال الشهر، أبرزها: الاحتفال السنوي بمرور أكثر من 1086 عامًا على تأسيس الجامع الأزهر، وذكرى غزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، وانتصارات العاشر من رمضان، واحتفالات ليلة القدر وليلة عيد الفطر المبارك.

وفي خامس محاورها والتي يتميز أيضا بها الجامع الأزهر خلال الأعوام الماضية الدور المجتمعي والذي من خلاله يعقد أكبر مائدة إفطار للطلاب الوافدين، في لفتة إنسانية تعكس عالمية الأزهر، حيث يقدم الجامع الأزهر 5000 وجبة إفطار يومية مخصصة للطلاب الوافدين، مع توفير وجبات للسحور في العشر الأواخر، ليصل إجمالي الوجبات المقدمة طوال الشهر إلى أكثر من 210 آلاف وجبة.

 

وآخر تلك المحاور المكثفة، تأتي التجهيزات اللوجستية والتنظيمية، حيث أتمت الإدارة العامة للجامع الأزهر كافة الاستعدادات لاستقبال آلاف المصلين، حيث تم تطوير مسارات الدخول والخروج لضمان الانسيابية، واستحداث حواجز بلاستيكية تنظيمية لزيادة استيعاب الأعداد المتزايدة وتوفير أقصى درجات الراحة لرواد الجامع.

 

كواليس الحلقة النهائية من برنامج دولة التلاوة

على الجانب الآخر تكثف وزارة الأوقاف بالتعاون مع الشركة المنتجة لبرنامج “دولة التلاوة” جهودهما لإخراج الحلقة النهائية للبرنامج على أفضل شكل، وذلك بعد الاتفاق مع دار الإفتاء على تنظيم احتفالية مشتركة لحفل إعلان نتيجة استطلاع هلال شهر رمضان لعام 1447هجرًيًا وأسماء الفائزين بالموسم الأول من البرنامج.

حيث اتفق الجانبان على تنظيم احتفالية كبرى من المقرر أن تضم عددا من الفقرات المختلفة في حفل كبير على أن يكون ذلك بمركز الأزهر للمؤتمرات، وهو المكان المعتاد لإعلان حفل نتيجة استطلاع هلال الشهر الكريم، حيث تم تحديد يوم الثلاثاء الموافق 17 فبراير الجاري موعدًا لتنظيم الحفل.

 

وتحضر وزارة الأوقاف بالتعاون مع الشركات الراعية للبرنامج مفاجآت خاصة للفائز بخلاف الجوائز المعلنة والتي تتمثل في حصول الفائزين بالمركز الأول على جائزة مالية قدرها مليون جنيه، إضافة إلى تسجيل المصحف الشريف كاملًا وبثّه عبر قناة مصر للقرآن الكريم، وإمامة المصلّين في صلاة التراويح بمسجد الإمام الحسين خلال شهر رمضان المقبل.

 

كما تُمنح جوائز مالية للمركزين الثاني والثالث في كل فرع، بقيمة 500 ألف جنيه و250 ألف جنيه على التوالي، إلا أن الشركات الراعية للبرنامج قدمت خلال الفترة الماضية طلبات بزيادة الجوائز المالية المقررة للفائزين ومن المقرر الإعلان عن تفاصيل الجوائز الجديدة في خلال الحفل النهائي.

وعلمت من مصادرها داخل وزارة الأوقاف أن الوزارة ستعمل خلال الفترة القادمة للتحضير للموسم الجديد من البرنامج وذلك بعد النجاح الكبير الذي حققه دولة التلاوة في موسمه الأول مع مراعاة الملاحظات التي رصدتها الوزارة في الموسم الأول.

وتتجه الوزارة إلى توسيع التجربة عبر إطلاق برامج أخرى على نفس النهج، وقد تشهد المرحلة المقبلة ظهور برامج «دولة الإنشاد» و«دولة الفصحى» إلى جانب برامج لاكتشاف مختلف المواهب وذلك في إطار رؤية متكاملة من الأوقاف تهدف إلى استعادة الجمال والعمق في الخطاب الديني والفني الأصيل.

 

على الجانب الآخر شهدت الأيام الماضية حالة من الجدل بسبب إذاعة قرآن الفجر وصلاة التراوايح عبر مكبرات الصوت في المساجد خلال أيام الشهر الكريم وذلك بعد تداول أخبار تفيد أن وزارة الأوقاف قررت منع إذاعتهم عبر مكبرات الصوت في شهر رمضان، قبل أن تخرج وزارة الأوقاف وتوضح أن هذا الأمر غير صحيح وأنها لم تصدر أي قرار جديد يتعلق بمنع إذاعة قرآن المغرب او صلاة التراويح عبر مكبرات الصوت، وقررت الوزارة تفعيل الإجراءات المعمول بها لاستخدام مكبرات الصوت في المساجد كما هي دون تغيير في الشهر الكريم، وهو ما اثار حالة من الجدل حول توابع القرار عبر مواقع التواصل وفي الشارع المصري.

وعلمت أن وزارة الأوقاف أرادات من خلال هذا القرار غلق أي باب أمام اتهام الوزارة بالتقصير بوضع ضوابط منظمة لاستخدام مكبرات الصوت في المساجد، وذلك بعد الشكوى التي تقدم بها أحد المواطنين عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية بسبب تشغيل قرآن الفجر قبل وقت الأذان بفترة طويلة وهو ما فتح باب النقاش حول الضوابط المنظمة لاستخدام مكبرات الصوت.

وعن حالة الغضب التي عبر عنها بعض رواد المساجد ومواقع التواصل الاجتماعي على نشر تلك الضوابط علق مصدر مسؤول بوزارة الأوقاف على هذا الأمر قائلا: “وزارة الأوقاف تعمل على تعزيز وتوفير الأجواء الإيمانية التي تتعطر فيها الأجواء بإذاعة الأذان والتلاوة والبهجة بأجواء رمضان الإيمانية المفعمة بالسمو والسكينة”.

 

وفيما يتعلق بالجزاء أو العقوبات المقرر تطبيقها على مخالفي هذا القرار في رمضان، أكد أنه لا جزاء إلا بتحقيق، ولا تحقيق إلا بشكوى، وفي رده على سؤال حول أنه في حالة لم يشتك أحد لتشغيل قرآن الفجر والمغرب في السماعات الخارجية، فلا إجراءات بحق العاملين في المسجد، قال: افتراض المخالفة شيء ووقوعها شيء آخر، ويوجد تفتيش ومتابعة بشكوى ومن غير شكوى.

 

ضوابط صلاة التراويح

وعن ضوابط صلاة التراويح علمت “فيتو” أن وزارة الأوقاف لم تحدد وقتا ملزما لصلاة التراويح، حيث تركت الحرية لكل مديرية لتنظيم أمورها الخاصة بصلاة التراويح والتهجد بناءً على ظروف كل مسجد وطبيعته الجغرافية، لضمان الراحة التامة للمصلين، وفيما يخص المساجد التي يرغب روادها في قراءة “جزء كامل” خلال صلاة التراويح، وجهت الوزارة بضرورة تنسيق إمام المسجد مع المديرية التابع لها وتقديم طلب رسمي لتنظيم هذا الأمر وضمان استمرارية الخدمة طوال الشهر الكريم.

 

أما فيما يخص الاعتكاف وصلاة التهجد، فقد أسندت الوزارة لكل مديرية إقليمية مسؤولية تحديد وتجهيز المساجد المسموح فيها بهذه الشعائر، وذلك تحت إشراف مباشر من الوزارة لضمان التنظيم، وبالتوازي مع الجانب الدعوي، تم تشكيل فرق عمل متخصصة لمتابعة ملف “عمارة المساجد”، والتي ستتولى مهام إجراء الصيانة الدورية اللازمة لكافة المرافق وتجديد فرش المساجد التي تحتاج إلى ذلك قبل حلول الشهر الفضيل، والتأكد من جاهزية بيوت الله لاستقبال المصلين بكامل طاقتها.

 

أول برنامج باستخدام الذكاء الاصطناعي بإشراف دار الإفتاء

بدورها تستعد دار الإفتاء لإطلاق أول برنامج موجه للإطفال باستخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك في تعاون استثنائي يجمع بين الرؤية الشرعية والابتكار العلمي، وهو برنامج “أنس Ai”.. رؤية مستقبلية لقضايا الحاضر، وذلك بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا للمرة الأولى في تاريخ دار الإفتاء، ويحمل البرنامج رمزية إلى عصر الذكاء الاصطناعي الذي نعيش فيه، ويهدف لمعالجة المواقف الحياتية التي يتعرض لها النشء وكيفية تعامل المربين والآباء والأمهات مع الأطفال والشباب في هذه المواقف، حيث خضع المسلسل للإشراف الكامل من دار الإفتاء، كما يُقدم بـ “روح الدعابة المصرية” ويتناغم مع منظومة القيم، حيث سيتم إذاعته عبر عدد من القنوات الفضائية ومنصات دار الإفتاء طوال أيام شهر رمضان المبارك.

 

وفيما يتعلق بخطط دار الإفتاء الدعوية خلال شهر رمضان المبارك، فتشمل مجموعة من البرامج التي ستذاع عبر القنوات الفضائية، إلى جانب البثِّ المباشر عبر الصفحة الرسمية للدار، مع تكثيف النشاط على صفحات التواصل الاجتماعي، وتنظيم ملتقيات وفعاليات توعوية في عدد من مراكز الشباب بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، وأنشطة ثقافية بالتعاون مع وزارة الثقافة وقصور الثقافة، إضافة إلى المجالس الإفتائية بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والأزهر الشريف، بهدف تقديم محتوى علمي وتوعوي يلبي احتياجات الجمهور المختلفة.

 

كما عملت الدار خلال الفترة الماضية على تحديث وتنقيح كتاب “أحكام الصيام” بما يتناسب مع المستجدات الفقهية وحاجات الناس، كما ستقوم الدار من خلال صفحاتها وحساباتها الرسمية على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي بإطلاق عدد من الحملات الإلكترونية التي تقدم وجبة إيمانية مكثفة خلال الشهر الفضيل تعين المسلم على الطاعة وتقدم له نماذج مختلفة ومتنوعة من الطاعات والعبادات.

 

وعلى صعيد التواصل مع المسلمين في الخارج فتستقبل دار الإفتاء أسئلة واستفسارات المسلمين من مختلف دول العالم وبلغات عدة من خلال تطبيق “Fatwa Pro”، وهو تطبيق إلكترونيُ متعدد اللغات أُنشئ في وقت سابق للتواصل مع الجاليات المسلمة خاصة في الغرب، ومنصة “IFatwa.org”، التي تعد أول منصة وبوابة إلكترونية رقمية تشمل مواد متنوعة، إعلامية وتحليلية وبحثية وخدمية تتعلق بجوانب مختلفة للفتوى، وتعمل على توفير أحدث التقارير والمؤشرات والإحصاءات المتعلقة بالعمل الإفتائي، بحيث تتم من خلالها معالجة القضايا الفقهية في إطار المستجدات العصرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى