مباشر مصر

استعادة ثقة المصريين في السياسة… معركة أمن قومي لا تحتمل التأجيل

عماد زكي – القيادي بهيئة جيل المستقبل الوفدي

 

إعادة ثقة الشارع المصري في الأحزاب والسياسيين لم تعد رفاهية سياسية أو قضية تخص النخب فقط، بل أصبحت أحد أهم ملفات الأمن القومي المصري.
الدولة القوية لا تُبنى فقط بالاقتصاد أو الأمن، لكنها تحتاج أيضًا إلى حياة سياسية حقيقية، وأحزاب قوية، ومواطن يشعر أن صوته له قيمة وأن هناك من يمثله ويعبر عنه. وعندما يفقد المواطن ثقته في السياسة، تظهر أخطر الفجوات التي قد تستغلها الفوضى أو الشعبوية أو الأفكار المتطرفة.
المشكلة الحقيقية ليست في رفض الناس للدولة، بل في شعور قطاع واسع بأن السياسة لم تعد قادرة على تقديم حلول أو إنتاج قيادات قريبة من الشارع وهمومه اليومية. ولهذا فإن إعادة بناء هذه الثقة يجب أن تتحول إلى مشروع وطني شامل، يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، ويمر بإعادة هيكلة العمل الحزبي، وينتهي بوجود أحزاب حقيقية تعمل وسط الناس لا من خلف المكاتب.
الأحزاب مطالبة اليوم بأن تعود لدورها الطبيعي: الاستماع للمواطن، تقديم حلول، إعداد كوادر، وخلق مساحات للحوار الوطني الحقيقي، بعيدًا عن الصراعات الشكلية والخطابات التقليدية التي لم تعد تقنع أحدًا.
كما أن نجاح هذا المشروع لن يتحقق من خلال حزب واحد أو تيار واحد، بل يتطلب مشاركة حقيقية وجادة من كل القوى الوطنية والسياسية، لأن استعادة ثقة المواطن ليست مسؤولية طرف بعينه، وإنما مسؤولية وطنية مشتركة. المطلوب اليوم أن تتجاوز القوى السياسية خلافاتها التقليدية، وأن تعمل بروح وطنية من أجل إعادة بناء المجال السياسي على أسس من الجدية والكفاءة والاحترام المتبادل.
المشهد السياسي المصري يحتاج إلى حالة من التكاتف الوطني الحقيقي، يكون هدفها الأول إعادة المواطن إلى قلب الحياة العامة، وإقناعه بأن هناك من يسمعه ويعمل من أجله بصدق. وهذا لن يتحقق إلا إذا رأت الجماهير نماذج سياسية تعمل بجدية، وتتحرك على الأرض، وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة والمكاسب المؤقتة.
نجاح هذا المشروع يتطلب أيضًا تعاونًا بين الأحزاب، والنقابات، والمثقفين، والإعلام، والشباب، وكل مؤسسات المجتمع الوطني، لأن بناء الوعي والثقة عملية طويلة لا تُصنع بالخطابات وحدها، بل بالعمل المستمر والنتائج الحقيقية.
قياس نجاح هذا المشروع لن يكون بالشعارات، بل بمؤشرات واضحة: زيادة المشاركة السياسية، عودة الشباب للأحزاب، ارتفاع نسب الثقة في العمل العام، وظهور قيادات جديدة قادرة على التواصل مع الناس بلغة واقعية وصادقة.
الحقيقة الواضحة اليوم أن الفراغ السياسي خطر، وأن غياب الثقة بين المواطن والسياسة يفتح الباب أمام مسارات غير آمنة. ولذلك فإن إعادة بناء هذه الثقة ليست مجرد إصلاح حزبي، بل استثمار مباشر في استقرار الدولة ومستقبلها.
الدول تبقى قوية عندما يشعر المواطن أن له مكانًا وصوتًا وشريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى