تقارير وتحليلات

استراتيجية “اقتناص الأزمات”.. كيف تُعيد جماعة الإخوان تدوير خطاب التحريض وتزييف الوعي المجتمعي عبر منصات الفضاء الرقمي

بينما تتكاتف الشعوب والدول في لحظات الأزمات الكبرى لمواجهة التحديات، تبرز في الأفق استراتيجية مغايرة تنتهجها الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي، الذي يرى في “الأزمة” – أياً كان نوعها – مادة خاماً لا تُقدر بثمن. إنها استراتيجية “اقتناص اللحظة”، حيث لا يتم التعامل مع الأوضاع الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية كمعاناة إنسانية، بل كـ “ثغرة أمنية ومجتمعية” تتيح لهذه الجماعات التسلل مجدداً إلى الوعي العام، في محاولة يائسة لإعادة إنتاج خطابها الذي بات منبوذاً، ومحاولة تشويه صورة الدولة ومؤسساتها عبر منهجية تقوم على تزييف الحقائق واستغلال حالة القلق الفطري لدى المواطنين.

صناعة “الرواية البديلة”: فن عزل الأزمة عن سياقها
تعتمد أولى مراحل المخطط الإخواني في التعامل مع أي أزمة على خلق ما يُعرف بـ “الرواية الموازية”. هذه الرواية تقوم بوعي كامل على استئصال الأزمة من جذورها الحقيقية وسياقاتها الموضوعية. فإذا كانت الأزمة ناتجة عن اضطرابات اقتصادية عالمية، أو صراعات جيوسياسية تؤثر على سلاسل الإمداد، فإن الآلة الإعلامية للجماعة تتعمد “تأميم” الفشل وإسقاطه بالكامل على مؤسسات الدولة الوطنية.

يتم توظيف لغة خطابية تتسم بالبساطة المفرطة والشحن العاطفي المركز، تستهدف في المقام الأول المواطن البسيط الذي قد لا يمتلك رفاهية البحث في تعقيدات الاقتصاد الكلي. يصور هذا الخطاب أن الدولة تتعمد انتهاج سياسات تهميشية أو إفقارية، دون تقديم رؤية اقتصادية واحدة قابلة للتطبيق، إذ يظل الهدف هو تحويل التحدي من “مشكلة تقنية أو عالمية” إلى “جريمة سياسية” ترتكبها الدولة ضد شعبها، مما يؤدي تدريجياً إلى تآكل جدار الثقة بين المواطن ومؤسساته السيادية.

الميدان الرقمي: خوارزميات التضليل والذباب الإلكتروني
في العصر الرقمي، انتقلت المعركة من المنابر التقليدية إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تدير الجماعة شبكة معقدة ومنظمة من الحسابات والصفحات العابرة للحدود. هذه الشبكة لا تعمل بشكل عشوائي، بل وفق استراتيجية “التكرار القهري”؛ حيث يتم ضخ المحتوى ذاته بآلاف الصيغ المختلفة، مما يخلق انطباعاً “زائفاً” بوجود حالة من الغليان الشعبي الشامل.

تعتمد هذه الحملات على أساليب تضليلية تقنية، منها استخدام مقاطع فيديو قديمة جرى تصويرها في سياقات زمنية أو جغرافية مختلفة تماماً، وتقديمها للجمهور باعتبارها “بثاً مباشراً” للأزمة الحالية. كما يتم اجتزاء تصريحات المسؤولين وقصها بشكل يفرغها من محماها، لتظهر الدولة في مظهر المتخبط أو العاجز. هذا الضجيج الرقمي يهدف في النهاية إلى إحداث حالة من “التيه المعلوماتي”، حيث يفقد المواطن قدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة.

المتاجرة بالألم: دموع التماسيح في الكوارث الإنسانية
لا تتورع هذه الجماعات عن استغلال المشاعر الإنسانية في أوقات الكوارث الطبيعية أو الأزمات الصحية. هنا، تتحول الجماعة إلى دور “الباكي على الأطلال”، حيث يتم تضخيم صور المعاناة الفردية وتقديمها كدليل دامغ على تقصير الدولة الشامل. في المقابل، يتم فرض “حصار إعلامي” من قبل منصاتهم على أي جهود إغاثية أو طبية تقوم بها مؤسسات الدولة، مهما بلغت ضخامتها. الهدف هنا هو خلق صورة ذهنية قاتمة تربط بين وجود الدولة وبين استمرار المعاناة، وهي استراتيجية نفسية تهدف لدفع المواطن نحو “كفر سياسي” بكل ما تمثله الدولة من رمزية واستقرار.

علاوة على ذلك، يبرز التوظيف السياسي لملف حقوق الإنسان، حيث تتقمص الجماعة دور المدافع عن الحريات، مستغلة المنابر الإعلامية الدولية والتقارير الحقوقية المسيسة لتصدير صورة مشوهة للداخل الوطني، بحثاً عن شرعية دولية مفقودة أو ضغوط خارجية قد تفتت عضد الدولة.

شهادة من الداخل: كيف تدار “مطابخ الشائعات”؟
ولعل أصدق توصيف لهذه الاستراتيجية هو ما كشف عنه إبراهيم ربيع، القيادي الإخواني المنشق والخبير في شؤون الجماعات الإرهابية. يؤكد ربيع أن الجماعة لا تمتلك مشروعاً سياسياً حقيقياً، بل تمتلك “مشروع استثمار في الفشل”. ويوضح أن أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية تتحول فوراً داخل غرف عمليات الجماعة في الخارج إلى “مادة دعائية” يتم تدويرها عبر شبكات إعلامية ممولة ضخمة.

ويضيف ربيع أن هذه الحملات تعتمد بشكل أساسي على “المبالغة الفجة” وتجاهل الحقائق، مع التركيز على استهداف عواطف الشباب، سعياً لبث روح اليأس والإحباط. فالمواطن المحبط، من وجهة نظر الجماعة، هو الأرض الخصبة لتقبل الأفكار المتطرفة، أو على الأقل لدفعه نحو السلبية التي تضعف الجبهة الداخلية للدولة.

الوعي والشفافية: الترياق الوحيد لمصل التحريض
ختاماً، يظل الوعي المجتمعي هو حجر الزاوية في إفشال هذه المخططات. إن معركة الوعي تتطلب إعلاماً مهنياً وقوياً يمتلك القدرة على “تفكيك” خطاب الجماعة كاشفاً زيفه بالأرقام والحقائق. كما أن سرعة استجابة مؤسسات الدولة للرد على الشائعات وتقديم المعلومات الدقيقة بانتظام يقطع الطريق أمام “سماسرة الأزمات”.

إن حماية العقل الجمعي من التلاعب ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو عقد اجتماعي يشترك فيه المواطن الواعي الذي يرفض أن يكون “أداة” في يد تنظيمات لا ترى في الوطن سوى ساحة لتنفيذ أجنداتها الخاصة، ولا ترى في المواطن سوى “وقود” لحرائقها السياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى