أولجا ليوبيموفا.. وزيرة الثقافة التي باعت “رفاق الحرية” لتصبح حارسة معبد بوتين ومطاردة العارضين الروس

في بلدٍ يُعدُّ مهد الأدب العالمي ووطن ليو تولستوي وألكسندر بوشكين، لا يبدو أنَّ الموهبة وحدها هي من تفتح أبواب القصور، بل “الولاء المطلق”.
أولجا ليوبيموفا، وزيرة الثقافة الروسية التي كانت يوماً جزءاً من النخبة الليبرالية، تحولت اليوم إلى “الذراع الثقافي” القوي للرئيس فلاديمير بوتين، محوّلةً المشهد الإبداعي في روسيا إلى منصة لتمجيد الحرب وملاحقة من تصفهم بـ”الخونة” من الفنانين والأدباء.
بدأت قصة تحول ليوبيموفا خلال مظاهرات 2010 و2011 الصاخبة ضد بوتين؛ فحين انضم أصدقاؤها للمعارضة، اختارت هي “الطريق الوعر” للبقاء داخل المنظومة، وأصدرت بيانها الشهير “البقاء في روسيا القاسية”، مؤكدةً أنها ستتكيف مع الأجواء السياسية مهما بلغت صعوبتها. هذا الرهان أتى ثماره؛ فبعد سنوات من التدرج في أروقة التلفزيون والسينما، عينها بوتين وزيرة للثقافة في مايو 2024، لتصبح المسؤولة الأولى عن صياغة “وعي زمن الحرب”.
وزيرة “زمن الحرب”.. كيف تُدار الجوائز في موسكو؟
منذ تسلمها المنصب، والنشاط الثقافي في روسيا يسير وفق مسطرة “الولاء للكرملين”، وهو ما رصدته تقارير دولية مثل “ذا جارديان” من خلال مظاهر لافتة:
جوائز “الأقربين”: باتت الجوائز الكبرى تُمنح لمن يدورون في فلك السلطة؛ فمثلاً ذهبت الجائزة الكبرى لمهرجان الكتب للمخرج نيكيتا ميخالكوف، وهو مخرج لا كاتب، لكنه حليف وثيق لبوتين وحفيد مؤلف النشيد الوطني السوفيتي في عهد ستالين.
سينما التمجيد: تركز الإنتاجات الكبرى على إعادة تقديم قصص الحرب العالمية الثانية، مع إبراز “شجاعة” أجهزة الاستخبارات، دون وجود أي مساحة للنقد الرمزي أو المعارضة.
قوائم الأولويات: قدمت ليوبيموفا قائمة لمواضيع السينما المدعومة حكومياً، تتضمن تمجيد “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، والهجوم على ما تسميه “انحطاط أوروبا” والسياسات “الأنجلوسكسونية”.
ملاحقة “الخونة” والعقوبات الدولية
لم تكتفِ ليوبيموفا بمنح الجوائز للموالين، بل شنت حملة شرسة لمحو أسماء المعارضين من الذاكرة الروسية. فقد أزالت اسم الكاتب الشهير بوريس أكونين من ملصقات المسارح بسبب معارضته للحرب، مدعيةً أن ذلك جاء “بناءً على طلب المواطنين”. وبسبب هذه السياسات، وجدت الوزيرة نفسها تحت طائلة العقوبات الدولية:
عقوبات أوروبية وأمريكية: أُدرجت في قوائم العقوبات في أواخر 2022 وبداية 2023 بتهمة تدمير التراث الثقافي الأوكراني والمشاركة في “أنشطة ضارة”.
حصار عالمي: تلاحقها عقوبات من سويسرا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وأوكرانيا بسبب دورها في الترويج لبطولات الجنود الروس وتبرير التدخل العسكري.
ورغم الحصار الخارجي واتهامات رفاق الأمس بخيانة المبادئ الليبرالية، تظل ليوبيموفا “الثابتة في ولائها”، حارسةً لأفكار بوتين ومحوّلةً الفن الروسي إلى سلاح ناعم في خدمة المعركة. ففي موسكو اليوم، لم يعد المعيار هو “جودة النص”، بل مدى “إخلاص المبدع” للرئيس وللعقيدة العسكرية الجديدة.



