منوعات

قريتي دبيج بين الماضي والحاضر

لاهاي .كتب / ابراهيم عبدالعليم الصبان

كان العقد الأول من عمري بطول الستينات من القرن الماضي وبدأت التمييز عندما التحقت بالتعليم الإبتدائي ومنذ ذلك الحين وأنا أتذكر بكل دقة كيف كانت قريتي في ذلك الزمان البعيد فقد وعيت على مسجدين اثنين صغيري المساحة وتضرب الرطوبة جدرانهما وفرشهما كان يصنعه الحصري من نبات السمار الجاف ومنها جاءت تسميته { الحصري } وهي مهنة انقرضت حاليا .

 

كان لكل مسجد بركة كبيرة واسعة مفتوحة قريبة منه للصرف غير الصحي مطلقا وكانت البيوت تحيط بتلك البرك الأسنة الكريهة المنظر والرائحة وطبعا كانت مرتع لكل الأوبئة والقاذروات وكلما امتلأت البركة كانوا ينقلون ما بها عن طريق الطنبور الذي يصب في الترعة القريبة التي تروي الزراعات ولاحقا تم ردم تلك البرك فتحولت الناس للتخلص من تفريغ البكابورت في الترعتين المحيطتين بالقرية وهكذا استبدلنا البرك بالترع لتعم القذارة لأطول فترة ممكنة وعندما تتحرك المياه في الترع وتحل محلها مياه جديدة نظيفة طبعا كانت تصرف في الأراضي الزراعية ليكون طعامنا مروي بنسبة ولو بسيطة من مياه المجاري .

كانت كل بيوت القرية مبنية بالطوب الطيني الأخضر وتمحيرها كان بالطين أيضا وعروشها من عروق الخشب والحطب والقش وكلما أمطرت السماء نقعت مياه الأمطار بعد أن تمر من السقف فيتحول لونها للسواد وتنزل على الأسرة والملابس وكانت تلك البيوت متلاصقة الجدران ولها أبواب في اتجاه واحد فقط يدخل منه الناس والدواب وليست لها نوافذ إلا في نفس اتجاه الباب ولا توجد نوافذ من أي جهة أخرى بسبب تلاصق الجدران مع الجيران وكانت حظائر المواشي داخل تلك البيوت… طبعا كانت هناك بعض البيوت الكبيرة الواسعة التي تفتح نوافذها في كل الجهات ولها عدة أبواب في جميع الإتجهات أيضا وحظائرها خارجها ولكنها لم تكن تزيد على نسبة خمسة بالمئة من بيوت القرية وكان بيتنا واحدا منها .

لم تكن لتلك البيوت دورات مياه وكان أصحابها يقضون حاجتهم في حظائر مواشيهم والرجال يذهبون لدورات مياه المساجد لقضاء الحاجة والاستحمام والصلاة .

لم يكن بقريتنا أي حداثة باستثناء صهريج المياه الذي يضخ للمساجد فقط وكانت هناك حنفيتان أحدهما في الشمال الشرقي والأخرى في الجنوب الغربي وكانت النساء تحمل البلاص أو أي أوعية معدنية لتملأها من تلك الحنفيات وكانت الخناقات يومية بين النساء على أولوية الملئ وكان الرجال يتدخلون أحيانا وتحدث معارك حقيقة فيها الضرب والجرح وتنعقد بعدها جلسات التحقيق من كبار القرية للصلح بين المتعاركين وطبعا أصحاب البيوت الكبيرة كان عندهم طلمبات مياه في بيوتهم تغنيهم عن جلب المياه من تلك الحنفيات وبالتالي تجنب تلك المعارك وكانت عندنا طلمبتنا أيضا في الجزء الخلفي من البيت وكانت عندنا دورتين مياه واحدة رجالي والأخرى حريمي ومطبخ باتساع غرفة كاملة وحجرة أخرى اسمها أوضة الفرن وكانت بدون سقف والاعتماد كان على مياه تلك الطلمبة وكم دورتها بنفسي وخصوصا في الصباح الباكر لملئ البراميل المركب في أسفلها حنفية كنا نتوضأ منها .

كانت حركة الطبيخ والخبيز تتم عن طريق الفرن والكانون والوقود كان من حطب المزروعات وروث المواشي الجاف الذي كانت تتقن صنعه نساء بعينها ومحترفات فيه وكانت أقراص الجلة الجافة تباع في الأسواق وأما وابور الجاز فقد كان للشاي والقهوة فقط والكلوب كان لا يشتعل إلا في المناسبات الكبرى كخطوبة أو زواج أو جلسة تحقيق عرفية وكان عند الأثرياء فقط .

كانت الحرائق تشتعل لأتفه الأسباب بسبب الأفران والكوانين وبسبب تلاصق البيوت كانت تحدث خسائر مروعة ولذلك كان كل سكان القرية يهرعون لإطفائها وأنا شاركت في إطفاء كل حريقة لأنه لا يجب أن أتخلف وكان ذلك عار وفي نفس الوقت الجميع يخاف على بيته والرياح والطيور تنقل النار بسرعة هائلة .

بقي الحال هكذا حتى بداية النصف الثاني من السبعينات وتحديدا شهر أبريل 1976 عندما دخلت الكهرباء ومعها دخل التلفزيون والثلاجة تدريجيا بيوت الفلاحين وكذلك المسجل الناشيونال 543 الشهير وذلك بسبب السفر للعمل بالدول العربية وجريان الأموال في أيدي الناس .

كانت الأفراح تقام في أي جرن بكل بساطة وكان عفش العروسة أبسط من البساطة والعريس والعروسة يدخلون في غرفة واحدة في بيت والد العريس وكان دهان البيت من الخارج بالجير الملون هو المظهر الوحيد للتجديد .

لم تكن في بلدنا سيارات نهائيا وكنا نسير على الأقدام حتى الطريق الرئيسي لنركب الأتوبيس فقط وكان عدد المتعلمين محدود للغاية وخريجي الجامعات نادرين جدا .

هذه صورة سريعة لما كنا عليه في الماضي الفقير جدا بكل ما تحمله الكلمة معنى وبقي الكثير لا يتسع المجال لذكره وما العجب إلا ممن يترحمون على تلك الفترة الصعبة القاسية ولا يرون بأعينهم ولا يفكرون بعقولهم كيف كنا وماذا أصبحنا وخريجي الجامعات بالمئات في جميع التخصصات وعيادات وصيدليات داخل القرية وخريجي المدارس الفنية بالآلاف بعد أن كان أكثر من تسعين بالمئة من سكان القرية بصمجية ويحملون أختام .

اليوم تتمتع قريتي بأكثر من عشرة مساجد مبنية على أحدث طراز وبمساحات واسعة ونوافذ كبيرة وفرشها كله من أرقى أنواع السجاد ومضاءة بنجفات عملاقة ولها مكبرات صوت ومراوح للصيف ودورات مياه نظيفة وراقية وتصرف تلك المساجد وكل القرية في شبكة صرف صحي حديثة جدا وكذلك عندنا شبكة غاز طبيعي دخلت كل البيوت بلا استثناء وحتى الحاجة لأنبوبة البوتجاز اختفت وأصبحت من الماضي وسبق ذلك بعقود دخول المياه كل بيوت القرية التي أصبحت بالحجر والخرسانة الحديثة وبها كل مظاهر الفخامة والأبهة وكل حمامتها بقاعدة أفرنجي وسخن وبارد وأحيانا جاكوزي وكذلك أجهزة التكييف ملأت القرية والسيارات أصبحت بالمئات ومن موديلات حديثة جدا وبها كل الكماليات وكل واحد يحمل أكثر من تليفون محمول والجميع عنده راوتر انترنت وأصبحنا نكلم بعض صوت وصورة من أي مكان لأي مكان في الكرة الأرضية بعد أن كنا نحلم بخط تليفون أرضي لا يرد عليه عامل السنترال إلا بمزاجه .

أما عن طعام أهل القرية فأصبح من نوعيات مختلفة تماما عن الماضي وكذلك الأفراح في نوادي بتكاليف غير مقبولة وتجهيز العرائس تخطى اللامعقول من زمن حتى خربت ميزانيات الناس ودخل بعضهم السجن بسببها ولايزال السباق المحموم مستمر !!

كنت في فرنسا عام 1980ووجدت فرنك ألمونيوم على الأرض في احدي الحدائق وكان مضروب سنة 1941 فجريت به لمسيو باربييه وأنا فرحان ومسرور لأبشره بذلك الفرنك ولكنه لقنني درس لا أنساه أبدا وكان رجل فوق السبعين من عمره وقال لي ارمي ذلك الفرنك في الزبالة وتخلص منه لأنه يذكرنا بماضي قاسي وصعب ومهين ونحن لا نريد اجتراره مجددا وأنت عندك عشرين سنة وتتحدث عن الماضي ؟ أي ماضي لك يا أبو عشرين سنة ؟ أنصحك يا صغيري أن لا تنظر للماضي أبدا وانظر للحاضر وكيف تجعل المستقبل أفضل واعلم أن الماضي لم يكن أبدا أحسن من الحاضر وسيكون المستقبل أحسن من الحاضر ولذلك انظر للأمام دائما ودع الماضي بكل مآسيه وصعوباته وآلامه .

منذ ذلك اليوم وعيت الدرس وفهمته ولكن الناس مصابة بحالة مرضية نفسية وصفها علماء النفس وأطلقوا عليها { الماضي مانيا } أي الهوس المرضي بالماضي …….

. أسف جدا للإطالة ولكن الموضوع يستحق أكثر من مقالة وأردتها واحدة فقط .

 

طبتم وطابت أوقاتكم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى