جدل حول حفلات الهرم.. مطالبات بوقف الفعاليات داخل الحرم الأثري والتحقيق في تأثيراتها على الآثار

أثارت الحفلات التي نظمتها الشركة الخاصة المسؤولة عن تطوير الخدمات بمنطقة الأهرامات، يومي 8 و9 أكتوبر الجاري، حالة من الجدل والغضب بين عدد من المتخصصين والمهتمين بالآثار والسياحة في مصر، وسط مطالبات بوقف إقامة الفعاليات داخل الحرم الأثري، والحفاظ على القيمة التاريخية والحضارية للأهرامات.
وأكد الخبير السياحي مجدي صادق، عضو غرفة شركات السياحة، أن الحفلات التي شهدتها المنطقة تضمنت موسيقى صاخبة ورقصًا، إلى جانب تداول مشاهد أثارت اعتراضات لدى عدد من المهتمين بالحضارة المصرية، مطالبًا بوقف ما وصفه بالعبث بتاريخ مصر وحماية المواقع الأثرية من أي ممارسات قد تؤثر على مكانتها.
جدل حول موقع الحفلات وعائدها المادي
واعترض مجدي صادق على ما أعلنته وزارة السياحة والآثار بشأن إقامة الحفلات على مسافة كيلومترين من الهرم، معتبرًا أن ظهور الهرم في خلفية الصور وإضاءة الليزر لقمتِه يثيران تساؤلات حول مدى قرب الفعاليات من الموقع الأثري.
كما شكك في حجم العائد المالي الذي تحصل عليه الآثار من هذه الحفلات، موضحًا أن تذاكر حضور الفعاليات منفصلة عن تذاكر زيارة الأهرامات، وأن العائد يرتبط، بحسب قوله، بتصاريح فتح المنطقة الأثرية.
وأشار إلى امتلاكه مستندات صادرة عن قطاع التمويل بالمجلس الأعلى للآثار، تغطي الفترة من عام 2018 حتى عام 2025، قال إنها توضح سداد خمسة ملايين جنيه للمجلس خلال خمس سنوات، بواقع مليون جنيه سنويًا، معتبرًا أن المبلغ محدود مقارنة بالعائد الذي تحققه الشركة المنظمة. وتحتاج هذه الأرقام وتفاصيل التعاقد إلى مراجعة المستندات والبيانات الرسمية ذات الصلة.
مطالب بتطبيق قانون حماية الآثار
من جانبه، أشار الدكتور يوسف خليفة، رئيس قطاع الآثار المصرية السابق بالمجلس الأعلى للآثار، إلى أهمية الالتزام بالضوابط القانونية الخاصة بحرم المواقع الأثرية.
وتنص المادة 19 من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته على جواز إصدار قرار بتحديد حرم الأثر أو خطوط التجميل للآثار والمناطق الأثرية، وفق الإجراءات المحددة بالقانون.
كما تنص المادة 20 على امتداد حرم الأثر حتى مسافة ثلاثة كيلومترات في المناطق غير المأهولة بالسكان، أو إلى المسافة التي يحددها المجلس بما يحقق حماية بيئة الأثر في المناطق الأخرى.
وبناءً على ذلك، يطالب المعترضون بمراجعة حدود الحرم الأثري لمنطقة الأهرامات، والتأكد من توافق إقامة الحفلات مع الضوابط القانونية والاشتراطات المقررة لحماية الموقع.
تحذيرات من تأثير الحفلات على سلامة الآثار
وأكدت الدكتورة علا العبودي، أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بكلية الآثار جامعة القاهرة، وجود نقص في البيانات العلمية المنشورة بشأن تأثير الحفلات على منطقة الأهرامات، إلى جانب عدم وضوح أعداد الحضور في عدد من الفعاليات.
وشددت على أن المواقع الأثرية ليست مجرد خلفيات لإقامة الحفلات، بل تمثل شواهد مادية على تاريخ البشرية، وأن استخدامها في الفعاليات الحديثة يستلزم ضوابط علمية تحافظ على سلامتها وقيمتها التاريخية.
وأشارت إلى عدد من المخاطر المحتملة المرتبطة بإقامة الحفلات في المواقع الأثرية، من بينها الاهتزازات الصوتية الناتجة عن الموسيقى، والضغط الناتج عن حركة الحشود، والتأثيرات المحتملة لتركيب المسارح والمنصات ومعدات الإضاءة، فضلًا عن مخاطر التثبيت أو الحفر في التربة الأثرية.
كما لفتت إلى ضرورة دراسة تأثير الإضاءة القوية والليزر على الأسطح الحجرية، والتأكد من عدم حدوث تلفيات نتيجة الفعاليات، من خلال قياسات وفحوص علمية موثقة.
مطالب بتقارير علمية ولجنة مستقلة
ودعت الدكتورة علا العبودي إلى إلزام وزارة السياحة والآثار بنشر تقارير دورية وشفافة عن حالة المواقع الأثرية قبل إقامة الحفلات الكبرى وبعدها، على أن تتضمن رصد أي تلفيات محتملة، وقياس الاهتزازات الصوتية، وفحص التشققات والتغيرات التي قد تطرأ على الموقع.
كما طالبت بتشكيل لجنة علمية مستقلة تضم خبراء في الآثار والترميم والهندسة، لمتابعة مدى التزام منظمي الفعاليات بالاشتراطات المقررة، مع منحها صلاحيات مناسبة للتعامل مع أي مخالفات، والمطالبة بالتعويضات عند ثبوت وقوع أضرار.
مطالب بحظر الحفلات داخل الحرم الأثري
وشملت المقترحات المطروحة حظر إقامة الحفلات داخل الحرم الأثري نفسه، وقصر الفعاليات على مناطق عازلة تبعد مسافات مناسبة عن حدود المواقع الأثرية، بما يضمن حماية المباني والمنشآت الأصلية.
كما دعت العبودي منظمة اليونسكو إلى إعلان موقف رسمي بشأن إقامة الحفلات داخل المواقع الأثرية في مصر، وإتاحة الفرصة للأكاديميين والباحثين لإجراء دراسات مستقلة تحدد الحدود الآمنة للتأثيرات الصوتية والضوئية.
وطالبت كذلك بتخصيص نسبة ثابتة من إيرادات كل حفل لصالح الموقع الأثري الذي يستضيفه، على أن تُوجه هذه الأموال إلى أعمال الصيانة والترميم والحماية، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من المواقع السياحية والحفاظ على التراث الحضاري المصري للأجيال المقبلة.



